قائمة الموقع

من لبنان إلى غزة… هل يحاول نتنياهو فرض وقائع ما بعد الحرب؟

2026-06-29T08:26:00+03:00
رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو (أرشيف)
فلسطين أون لاين

تكشف الشروط الإسرائيلية الجديدة التي طُرحت خلال المفاوضات بشأن قطاع غزة أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تسعى فقط إلى التوصل لاتفاق لوقف الحرب، بل تعمل على استثمار المفاوضات لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تشكل ملامح المرحلة المقبلة. فالمشهد لم يعد يقتصر على غزة، وإنما يبدو جزءًا من رؤية إسرائيلية أشمل تمتد من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا، وتستهدف إعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة في المنطقة.

فعلى الرغم من أن الفصائل الفلسطينية قدمت خلال الأسابيع الماضية مرونة سياسية كبيرة، عبر مقترحات مكتوبة لمعالجة ملفات إدارة قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وملف السلاح، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، فإن الرد الإسرائيلي جاء محملًا بشروط جديدة أعادت المفاوضات إلى نقطة الصفر، بما يؤكد أن حكومة الاحتلال لا تبحث عن تنفيذ الاتفاق بقدر ما تبحث عن تحسين شروطه بما يخدم مشروعها السياسي.

هذه المقاربة ليست جديدة، بل تشبه إلى حد بعيد ما جرى في لبنان. فبعد اتفاق وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل تنفيذ الغارات والاغتيالات، وأبقت على وجودها في عدد من النقاط الحدودية، وتعاملت مع الاتفاق باعتباره أداة تمنحها حرية أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة، وليس التزامًا كاملاً بإنهاء المواجهة. واليوم تحاول نقل النموذج ذاته إلى قطاع غزة، عبر المطالبة بإعادة تشكيل الإدارة المدنية، وإقصاء شرائح واسعة من العاملين في المؤسسات الحكومية، ونقل ملف السلاح إلى إدارة دولية، بما يضع مستقبل القطاع تحت وصاية سياسية وأمنية طويلة الأمد.

وفي السياق ذاته، تبرز محاولات توسيع صلاحيات مجلس السلام، بما يشمل إدارة أو استملاك الأراضي المرتبطة بمشاريع إعادة الإعمار، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول عملية الإعمار إلى وسيلة لإعادة هندسة الواقع الجغرافي والسياسي في غزة، بدل أن تكون مدخلًا لإنهاء آثار الحرب وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم.

وتنسجم هذه السياسات مع مواقف حكومة نتنياهو المعلنة، التي ترفض قيام دولة فلسطينية، وتتمسك بالسيطرة الأمنية بين النهر والبحر، وتواصل احتلال أجزاء من جنوب سوريا، وتسعى إلى تثبيت مناطق عازلة في غزة ولبنان. إنها محاولة لفرض معادلات جديدة على الأرض، مستفيدة من استمرار الدعم الأمريكي، الذي لا يزال يوفر غطاءً سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل، رغم ما يظهر أحيانًا من تباينات في المواقف بشأن إدارة الحرب أو إدخال المساعدات.

لكن هذه الرؤية تصطدم بوقائع لا يمكن تجاهلها. فإسرائيل، بالرغم من تفوقها العسكري، لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة في حرب غزة، ولم تستطع فرض ترتيبات مستقرة في لبنان، كما واجهت تحديات كبيرة خلال المواجهة مع إيران، فضلًا عن الإخفاقات الاستراتيجية التي كشفتها أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها. كما أن محاولاتها السابقة لإيجاد بدائل محلية لإدارة قطاع غزة أو إنشاء مراكز توزيع للمساعدات لم تحقق النجاح الذي كانت تراهن عليه.

ومن هنا، فإن ما يجري اليوم يعكس محاولة إسرائيلية لاستثمار المفاوضات في تحقيق ما عجزت عن فرضه بالقوة العسكرية. إلا أن التجارب خلال العامين الماضيين تشير إلى أن فرض الوقائع بالقوة قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا ينتج استقرارًا دائمًا، ولا يصنع حلولًا سياسية قابلة للحياة.

إن مستقبل المنطقة لن يتحدد بحجم الشروط التي تفرضها إسرائيل، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على إلزامها بتنفيذ الاتفاقات، واحترام حقوق الشعوب وسيادتها، لأن أي تسوية تقوم على فرض الأمر الواقع ستبقى مرشحة لإنتاج جولات جديدة من الصراع، بدل أن تؤسس لسلام حقيقي ومستدام.

اخبار ذات صلة