قائمة الموقع

أهل الخيمة

2026-06-28T08:01:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

غزة مدينة تتكئ على جراحها، لكنها لا تنحني، تحمل وجعها كما تحمل أطفالها، وتمضي، خيمة إلى جوار خيمة، وبيت صار ركامًا، وجوع يطرق كل الأبواب، لكنها تبقى عصية على الانكسار.

المدينة التي أعياها الفقد والإبادة، يراهن الاحتلال عليها بأكثر من القصف والقتل، لم يكن يريد هدم الحجر فقط، بل كسر البشر، وتجريدهم من وطنيتهم، ومن إيمانهم بقضيتهم، ومن هدفهم في التحرير، أراد للجوع أن يفعل ما عجزت عنه الطائرات، وللنزوح أن يفرق من حلموا معًا بالعودة، وللمعاناة أن تتحول إلى غضب يأكلها من الداخل، فتسقط غزة من الداخل بعدما عجز عن إسقاطها بالنار.

ولهذا خرجت الدعوات، وتكالب عليها الطغاة، في محاولة لجعل وجع الفلسطيني عنوانًا لحكاية الخيبة، ولعنة تلاحقه، ظنوا أن المدينة التي أنهكها الحصار، وأتعبها الجوع، وأرهقتها الإبادة، ستنهار بين الخيام، وأن الثورات الخائبة ستفعل ما لم تفعله الصواريخ.

لكن غزة، التي تعرف عدوها جيدًا، كتبت عنوانًا آخر؛ عنوان الثورة الحقيقية على المحتل، ففي اليوم الذي أرادوه يومًا للفوضى وعنوانًا للسقوط، خرجت جنازة شهيد،  فامتلأت الشوارع بالثورة الحقيقية، وارتفعت الأعلام فوق الأكتاف التي حملت النعش، وعلت المدينة بهتاف واحد: "لا صوت يعلو فوق صوت الحق والمقاومة"، هناك سقطت كل الروايات التي حاولت تصوير غزة مدينة انقلبت على أبطالها. وانصبت الهتافات على الاحتلال، قاتل الأطفال والنساء والشيوخ، وكانت البوصلة تشير إلى الاتجاه الصحيح... حيث ثورة الأبطال.

لم تكن الجنازة وحدها هي الحكاية، بل كانت ثمرة تربية طويلة على بوصلة لم تتغير؛ بدأت من المساجد، ومن حديث أم تربي أبناءها، ومن مجلس مختار، ومن كلمة شيخ عشيرة، ومن موقف عائلة شامخة، تردد جميعها: "لا تزيدوا وجع غزة وجعًا."

في مشهد أطفال سرقت الحرب بيوتهم ومدارسهم، وقتلت طفولتهم، لكن أحدًا لم يستطع أن ينتزع عنهم وعيهم، علت أصواتهم ترفض كل دعوة تبعدهم عن معركتهم الحقيقية مع الاحتلال، وتردد أن ثورتهم ليست على أهلهم، بل على من قتل آباءهم وهدم بيوتهم ومدارسهم.

للناس في غزة مطالبهم؛ يريدون وقف العدوان، وكسر الحصار، والطعام، والدواء، والمأوى، ورفع ظلم الاحتلال عنهم، يرغبون بالعيش في وطن يسوده السلام،  لكنهم أيضًا يدركون أن الاحتلال يحاول أن يجعل من هذه المعاناة سلّمًا يحقق به ما عجزت عنه دباباته، وما عجز عنه التجويع ومحاولات التهجير بالقتل والإبادة.

بطلنا في غزة يحمل وعيًا جمع الناس حوله، وأفشل ما كان يُراد له أن يكون طريقًا إلى الفوضى، وأثبت ظريف الطول أن الحرب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بوعي يحمي النسيج المجتمعي الذي بقي صامدًا رغم الإبادة.

نشأ ظريف الطول كبقية أهل فلسطين من ظل الخيمة بعد هجرته الأولى عام 1984، وصار من جلد أهلها جميعًا؛ في المرأة التي قسمت رغيفها مع جيرانها، وفي الرجل الذي يحمل على كتفيه مرة نعش شهيد، وأخرى كيس طحين، وفي الوجهاء والعائلات والمخاتير الذين أطفؤوا نار الفتنة قبل أن تكبر، وحافظوا على ما تبقى من بيت غزة الكبير.

وأثبت أهل الخيمة أن الصبر ليس احتمال الجوع وحده، بل في إفشال المخططات الخبيثة أيضا، وأن الوعي قد يكون سلاحًا لا يقل أثرًا عن البندقية، لذلك بقيت أولويتهم واضحة، وبوصلتهم ثابتة، أما محاولات استغلال معاناتهم لإشعال الفوضى، فقد سقطت أمام وعي مدينة تعرف أن وحدتها آخر ما تبقى لها، وأول ما يجب أن تحميه.

اخبار ذات صلة