بينما تتواصل المفاوضات في أكثر من عاصمة، تبدو حكومة الاحتلال الإسرائيلي كأنها تتحرك في اتجاه معاكس تمامًا.
ففي القاهرة، تدور مباحثات مكثفة للتوصل إلى اتفاق يوقف حرب الإبادة في قطاع غزة ويضمن تثبيت وقف إطلاق النار، وفي واشنطن تتواصل الاتصالات المتعلقة بالتصعيد مع لبنان، كما تستمر المسارات الدبلوماسية الخاصة بالملف الإيراني. إلا أن القاسم المشترك بين هذه الملفات جميعًا يبقى الموقف الإسرائيلي القائم على المراوغة وكسب الوقت، دون إظهار استعداد حقيقي للالتزام بأي تسوية.
لقد اعتاد الاحتلال استخدام المفاوضات أداة لإدارة الأزمات، لا لحلها.
فعلى الرغم من استمرار جهود الوسطاء، تتواصل العمليات العسكرية في قطاع غزة، ويستمر ارتقاء الشهداء، في حين تتوالى التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد رفض الانسحاب من غزة أو جنوب لبنان أو المواقع التي احتلتها إسرائيل داخل الأراضي السورية.
وبذلك تتحول طاولات التفاوض إلى مسار موازٍ للحرب، في حين تستمر الوقائع الميدانية في فرض نفسها بالقوة.
ولا يبدو أن هذه السياسة ناتجة عن اعتبارات أمنية فحسب، بل ترتبط بدرجة كبيرة بحسابات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
فالرجل الذي يواجه أزمات سياسية داخلية متراكمة، ويعيش تحت ضغط الانقسامات الحزبية والملفات القضائية، يدرك أن أي تراجع أو التزام بتسوية قد ينعكس على مستقبله السياسي.
لذلك يسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، باعتبار أن استمرار الحرب يمنحه فرصة للهروب من أزماته الداخلية وتأجيل استحقاقاته السياسية.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تعدد مسارات التفاوض، بل في غياب الإرادة الإسرائيلية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
فالتجربة أثبتت أن حكومة الاحتلال كثيرًا ما وقعت على تفاهمات ثم تنصلت منها، أو أعادت تفسيرها بما يخدم مصالحها، مستفيدة من غياب أي ضغط دولي حقيقي يلزمها باحترام التزاماتها.
وفي المقابل، يكتفي المجتمع الدولي غالبًا بإدارة العملية التفاوضية، دون أن يمتلك أدوات فعالة لفرض تنفيذ الاتفاقات أو محاسبة من يخرقها.
وهو ما يمنح الاحتلال مساحة واسعة للمناورة، ويشجعه على الاستمرار في سياسة فرض الوقائع بالقوة، في حين يدفع المدنيون الفلسطينيون والعرب الثمن الأكبر.
إن ما يجري اليوم يؤكد أن الأزمة لم تعد أزمة مفاوضات، وإنما أزمة غياب مساءلة.
فلا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح إذا بقي الاحتلال ينظر إلى الاتفاقات باعتبارها مرحلة مؤقتة يعقبها استئناف العمليات العسكرية متى شاء، أو وسيلة لتحسين موقعه السياسي داخليًا.
لقد بات واضحًا أن نتنياهو يربط مستقبله السياسي باستمرار المواجهة. فكلما اقتربت فرص التهدئة، ارتفع سقف تصريحاته، وتصاعدت عملياته العسكرية، وكأنه يقدم للناخب الإسرائيلي صورة الزعيم الذي لا يقدم تنازلات، ولو كان ثمن ذلك مزيدًا من الدماء الفلسطينية والعربية، ومزيدًا من عدم الاستقرار في المنطقة.
إن استمرار هذا النهج يضع الوسطاء والمجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية.
. فلم يعد كافيًا رعاية جولات جديدة من التفاوض، بل المطلوب إيجاد آليات واضحة وملزمة لتنفيذ أي اتفاق، ومحاسبة من يعرقله أو يتنصل منه.
فالسلام لا يصنعه من يراوغ، والاستقرار لا يبنيه من يجعل الدماء وسيلة للبقاء في السلطة.
وما دامت الحسابات الانتخابية والشخصية تتقدم على احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب، فإن المنطقة ستبقى رهينة دوامة من التصعيد، يدفع ثمنها الفلسطينيون والعرب، في حين يواصل نتنياهو الاستثمار في الحرب باعتبارها آخر أوراق بقائه السياسي.