في وقت يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة حرب مدمرة وانهيار اقتصادي غير مسبوق، أظهرت بيانات رسمية تحقيق القطاع المصرفي الفلسطيني قفزة كبيرة في أرباحه خلال عام 2025، ما أثار تساؤلات وانتقادات واسعة بشأن دور البنوك ومسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية تجاه المواطنين والقطاع الخاص في وجود الأزمة المستمرة.
ويرى ممثلون للقطاع الخاص وخبراء اقتصاديون أن هذه الأرباح لم تكن نتيجة توسع النشاط المصرفي أو تحسن الأوضاع الاقتصادية، بل جاءت في جانب كبير منها نتيجة تقليص النفقات التشغيلية، وتراجع المخصصات المالية، وانخفاض الالتزامات المجتمعية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الخدمات الإلكترونية وفرض عمولات أثقلت كاهل المواطنين.
تخلي عن المسؤولية
وأكد رئيس جمعية رجال الأعمال السابق ورجل الصناعة علي الحايك أن القطاع المصرفي في غزة تخلّى بصورة شبه كاملة عن مسؤولياته الإنسانية والمجتمعية والاقتصادية تجاه المواطنين، معتبراً أن البنوك تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة بدلاً من المساهمة في التخفيف من آثارها.
وأوضح الحايك لصحيفة "فلسطين" أن البنوك سارعت مع بداية الحرب إلى إغلاق فروعها وتقليص الخدمات النقدية المباشرة، رغم الحاجة الماسة للسيولة النقدية، كما خفّضت حضورها الميداني واستعاضت عن الخدمات التقليدية بالتطبيقات الإلكترونية.
وأضاف أن الاعتماد الكامل على التطبيقات الرقمية لم يكن يهدف فقط إلى تسهيل الخدمات، بل أسهم في زيادة إيرادات البنوك عبر العمولات المفروضة على مختلف المعاملات المالية، حتى البسيطة منها، ما شكل عبئاً إضافياً على المواطنين في ظل تراجع الدخل وارتفاع معدلات الفقر.
وأشار إلى أن أرباح البنوك خلال فترة الحرب فاقت في بعض الجوانب أرباحها خلال فترات العمل الطبيعي، نتيجة انخفاض التكاليف التشغيلية وتراجع الأعباء المرتبطة بإدارة الفروع والخدمات المباشرة، منتقداً غياب أي برامج دعم حقيقية للمواطنين أو للقطاع الخاص المتضرر.
ودعا الحايك البنوك إلى إعادة النظر في سياساتها الحالية، واستئناف دورها الطبيعي في توفير الخدمات المالية وحماية الدورة الاقتصادية، بدلاً من التركيز على تعظيم الأرباح في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن جمعية البنوك في فلسطين، ارتفع صافي أرباح القطاع المصرفي إلى 140 مليون دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ45 مليون دولار في عام 2024، بزيادة بلغت 95 مليون دولار ونسبة نمو وصلت إلى 211.5%.
وفي المقابل، تراجعت الإيرادات الإجمالية للقطاع بنسبة 1% لتبلغ 1.039 مليار دولار، مقارنة مع 1.049 مليار دولار في العام السابق، ما يشير إلى أن الزيادة الكبيرة في الأرباح لم تكن ناتجة عن نمو الإيرادات بقدر ما ارتبطت بانخفاض النفقات والمخصصات.
وتظهر البيانات انخفاض إجمالي المصاريف بنسبة 14.9%، من مليار دولار عام 2024 إلى 852 مليون دولار عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بتراجع مخصصات تدني التسهيلات الائتمانية بنسبة 35.1%.
تراجع مصاريف التشغيل
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د.أمين أبو عيشة إن المسؤولية المجتمعية للبنوك شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن مساهمة القطاع المصرفي في هذا المجال لا تتجاوز ما بين 1% و2% في أفضل الأحوال، رغم تعاظم الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية.
وأضاف أن أكثر من 43% من إجمالي الودائع المصرفية عبارة عن حسابات جارية لا تدفع البنوك عليها فوائد، ما يوفر لها مصدراً منخفض الكلفة للتمويل والاستثمار، ويسهم في تعزيز ربحيتها.
وأوضح أبو عيشة أن القفزة في الأرباح تعود أساساً إلى انخفاض النفقات التشغيلية بنحو 150 مليون دولار بين عامي 2024 و2025، إلى جانب تراجع مصاريف التشغيل العامة، خاصة في قطاع غزة، نتيجة تقليص النفقات المرتبطة بالفروع والموظفين.
وأشار إلى أن إعادة جدولة القروض الممنوحة لموظفي القطاع العام أسهمت أيضاً في زيادة الكلفة الإقراضية على المقترضين، وفي الوقت نفسه رفعت من العوائد الصافية للبنوك، بالتزامن مع انخفاض مخصصات المخاطر وتراجع مستويات السيولة وارتفاع الاستثمارات.
ولفت إلى أن تكدس عملة الشيكل داخل الجهاز المصرفي، إلى جانب تراجع سعر صرف الدولار، وفّر فرصاً إضافية لتحقيق أرباح من تجارة العملات الأجنبية، خاصة في عمليات التحويل بين الشيكل والدولار، ما عزز النتائج المالية للبنوك رغم استمرار حالة الركود الاقتصادي الحاد في قطاع غزة.