لم يكن الدكتور أسامة عطية المزيني مجرد قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، أو وزير سابق للتربية والتعليم، بل شكّل نموذجًا استثنائيًا جمع بين الفكر التربوي العميق والموقف الوطني المقاوم، على امتداد مسيرة حافلة استمرت لعقود، رسّخ خلالها حضوره في الذاكرة الفلسطينية رمزًا للإخلاص والعطاء، قبل أن يختتم حياته شهيدًا في معركة "طوفان الأقصى" عام 2023.
وُلد المزيني عام 1966 في قطاع غزة، ونشأ في أسرة فلسطينية عايشت مرارة اللجوء، ما ترك أثرًا مبكرًا في تكوين وعيه الوطني والفكري. ومنذ سنواته الأولى، آمن بأن العلم لا يقل أهمية عن المقاومة، فبدأ مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة البكالوريوس في الفيزياء من الجامعة الإسلامية في غزة، حيث برز نشاطه الطلابي وتولى رئاسة الكتلة الإسلامية، قبل أن تعتقله سلطات الاحتلال لمدة عامين.
لم تُثنه تجربة الاعتقال عن مواصلة طريقه العلمي، فحصل لاحقًا على درجة الماجستير في علم النفس من الجامعة ذاتها، ليتعرض بعد ذلك للاعتقال مجددًا لمدة ست سنوات. وعلى الرغم من ذلك، واصل رحلته الأكاديمية حتى نال درجة الدكتوراه في الإرشاد والدعم النفسي من جامعة عين شمس في مصر، ليعود بعدها للعمل الأكاديمي في الجامعة الإسلامية بغزة.
وبالتوازي مع مسيرته العلمية، انخرط المزيني في العمل المجتمعي والخيري، فكان عضوًا في جمعية المجمع الإسلامي وجمعية الصلاح الخيرية، كما أسس جمعية الإسراء الخيرية، وشغل منصب نائب رئيس جمعية دار الأرقم، في إطار دور اجتماعي واسع امتد لسنوات.
"العصر الذهبي للتعليم"
في شهادة توثق الجانب التربوي والإداري في مسيرته، وصفت مدير دائرة التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم العالي ونائب مدير عام التعليم العام، حنان الحاج أحمد، فترة تولي المزيني للوزارة بأنها "العصر الذهبي للتعليم".
وأكدت الحاج أحمد لصحيفة "فلسطين" أن المزيني لعب دورًا بارزًا في تطوير العلاقة مع المؤسسات الدولية مثل "اليونيسف" والجامعات الفلسطينية، ما أسهم في إحداث نقلة نوعية في التعليم العام والخاص.
وأوضحت أنه عمل على تطوير التعليم المبكر عبر استحداث "صف التهيئة" في رياض الأطفال، بهدف تسهيل انتقال الطفل إلى البيئة المدرسية، وهو ما اعتُبر خطوة تعليمية مهمة ساعدت الأسر والطلبة على حد سواء. كما شهدت فترة توليه تجديدًا واسعًا للمناهج التعليمية، حتى أُطلق على عام 2009 اسم "عام التعليم" لكثرة الإنجازات والتحديثات فيه.
وأضافت: "حرص المزيني على تعزيز الهوية والقيم داخل البيئة التعليمية، فأنشأ مصليات في المدارس، ودعم فصل الذكور عن الإناث في المدارس الحكومية المشتركة، كما استحدث ملف القدس لتعزيز حضورها في وعي الطلبة عبر لجان متخصصة في كل مدرسة".
كما أشارت إلى أنه أولى اهتمامًا خاصًا بتمكين المرأة داخل الوزارة، وساهم في استقطاب نخبة من الأكاديميين من حملة الدكتوراه، مع الحفاظ على قنوات تواصل مع وزارة التربية والتعليم في رام الله لضمان استمرارية العملية التعليمية.
القيادة والوفاء
تدرج المزيني في صفوف حركة حماس حتى أصبح عضوًا في مكتبها السياسي، قبل أن يتولى رئاسة مجلس شورى الحركة في قطاع غزة.
وعلى الصعيد الأسري، ارتبط بالسيدة مريم ياسين، ابنة الشيخ المؤسس أحمد ياسين، ورُزق منها بتسعة أبناء.
تستعيد زوجته جانبًا من سيرته قائلة: "كان الدكتور أسامة زوجًا نقيّ القلب، كريم الخلق، يعيش همّ التعليم حتى في بيته، ويقضي ساعات طويلة في إعداد الأبحاث وتدقيق الأعمال الأكاديمية، وكان دائم التفكير في تطوير شخصية الطالب الفلسطيني ليكون واعيًا وقويًا".
وتضيف: "كان يعتبر التعليم رسالة وعبادة، ويرى في كل طالب مشروع بناء وطن وأمة".
وتتابع: "رغم انشغالاته الكثيرة، كان أبًا حنونًا قريبًا من أبنائه، يتابع تفاصيل حياتهم الدراسية والتربوية، ويغرس فيهم حب الوطن والقيم الأخلاقية بالقدوة قبل القول، وكان بيته مليئًا بالمحبة والطمأنينة".
الرحيل في معركة الكرامة
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخلال حرب الإبادة على قطاع غزة، استهدفت غارة إسرائيلية منزل الدكتور المزيني دون سابق إنذار، ما أدى إلى استشهاده، إلى جانب اثنين من أبنائه هما همام ومحمد، وإصابة نجله أحمد.
برحيله، طُويت صفحة واحدة من أبرز رموز التعليم والعمل الوطني في فلسطين، لكنه ترك إرثًا تربويًا وفكريًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية، كنموذج لقائد جمع بين العلم والمقاومة، وبين التربية والالتزام الوطني، وظل حتى آخر لحظة متمسكًا بأرضه وقيمه.