لم تكن الطفلة ديما قديح (16 عامًا) تتخيل أن تتحول أحلامها الكبيرة في ليلة واحدة إلى أمنية واحدة فقط؛ أن تتمكن من الوقوف والمشي مجددًا. فالحرب التي سلبت آلاف الأطفال في غزة أمنهم ومستقبلهم، انتزعت منها قدمها أيضًا، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والعلاج وانتظار فرصة قد تعيد إليها جزءًا من حياتها التي فقدتها تحت القصف.
تجلس ديما اليوم على طرف سريرها داخل خيمة النزوح، تحدق في الطرف الصناعي المثبت بساقها، بينما يتنازع ملامحها شعوران متناقضان؛ وجع الفقدان وأمل التعافي. لم تعد تفكر كثيرًا بمستقبلها البعيد كما كانت من قبل، بل بات حلمها الأكبر أن تعود للمشي بصورة طبيعية، وأن تستعيد تفاصيل الحياة التي كانت تبدو يومًا عادية.
قبل إصابتها، كانت ديما تعيش حياة طبيعية كأي فتاة في سنها، تحمل طموحات كبيرة وتخطط لمستقبلها الدراسي والمهني. لكن صاروخًا أطلقته طائرة إسرائيلية مسيّرة غيّر مسار حياتها بالكامل.
وتروي ديما تفاصيل ذلك اليوم قائلة: "كنت صائمة يوم الجمعة الموافق الرابع من أبريل/نيسان 2025، حوالي الساعة الواحدة ظهرًا، وكنت أقف أمام المنزل عندما استهدفنا صاروخ من طائرة استطلاع. أصبت بشظايا مباشرة في ساقي، وكان هناك عدد كبير من الشهداء والجرحى، واستشهدت صديقتي أمام عيني".
نُقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج، وكانت تظن أن إصابتها ستحتاج إلى بعض الوقت فقط للشفاء، لكن الأمور سارت في اتجاه آخر.
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "بعد نحو 15 يومًا من العلاج أصبت بغرغرينا في ساقي، فقرر الأطباء بترها. عندما أخبرني الطبيب بقرار البتر شعرت بصدمة كبيرة، وبكيت أنا وأهلي كثيرًا، وشعرت وقتها أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهي".
ولم يكن فقدان القدم مجرد إصابة جسدية، بل بداية معاناة يومية فرضت عليها إعادة تعلم أبسط تفاصيل الحياة.
وتقول: "بعد البتر أصبحت الحياة صعبة جدًا. بدأت باستخدام الكرسي المتحرك، ثم العكازات، وبعدها ركبت طرفًا صناعيًا، لكنه لا يساعدني كما يجب. يسبب لي جروحًا وتقرحات مستمرة، وهو ثقيل جدًا ويزن أكثر من ثلاثة كيلوغرامات، كما يتعطل كثيرًا ولا أستطيع الاعتماد عليه".
ورغم ذلك، لا تزال تتمسك بالأمل. فهي تحمل تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، وتنتظر فرصة السفر إلى مركز متخصص يمكنه تزويدها بطرف صناعي مناسب يساعدها على الحركة بصورة أفضل.
وتوضح: "أنتظر مثل آلاف المرضى فرصة السفر للعلاج. كل ما أريده أن أحصل على طرف صناعي جيد يساعدني على الحركة، وأن أعيش حياتي مثل باقي البنات والأطفال".
وكانت ديما تحلم في السابق بأن تصبح محامية تدافع عن المظلومين والضحايا، لكن تجربتها القاسية دفعتها إلى إعادة رسم ملامح مستقبلها.
وتقول: "كان حلمي أن أصبح محامية، أما اليوم فأفكر أن أكون مصممة أطراف صناعية، لأساعد المرضى والمصابين الذين يمرون بالتجربة نفسها التي أمر بها".
ورغم محاولاتها التأقلم مع واقعها الجديد، لا تزال الأسئلة المؤلمة ترافقها كل يوم.
وتتابع بحرقة: "ما ذنبي ليحدث لي كل هذا؟ وما ذنب الأطفال؟ صديقتي استشهدت أمامي، وأنا فقدت قدمي في عمر 16 عامًا. كنت أحلم كثيرًا بالمستقبل، أما اليوم فأكبر حلم عندي أن أعود للمشي".
وتوجه ديما رسالة إلى العالم تطالب فيها بإنهاء معاناة الأطفال وفتح المجال أمام المرضى لتلقي العلاج، قائلة: "تعبنا كثيرًا، ونريد أن نعيش مثل باقي أطفال العالم. أريد فقط فرصة للعلاج وطرفًا صناعيًا مناسبًا يساعدني على الوقوف والمشي من جديد".
في غزة، حيث تتكسر أحلام الطفولة تحت وطأة الحرب، تحولت أمنية ديما من بناء مستقبل مهني واعد إلى استعادة خطوة فقدتها بفعل القصف.
وبينما تواصل انتظارها للعلاج، تتمسك الفتاة ذات الستة عشر عامًا بالأمل، مؤمنة بأن الطريق إلى أحلامها الجديدة قد يبدأ بخطوة واحدة فقط... خطوة تستطيع أن تخطوها على قدميها من جديد.