قائمة الموقع

حراك مشبوه وطُعْم المتخاذلين

2026-06-25T09:00:00+03:00
هلال نصار.jpeg

لا شك أن للفكرة فريقين؛ أحدهما داعم ومؤيد، والآخر معارض ومحرض، وليس لأيٍّ من الفريقين ذنب؛ لأن الفكرة هي التي أنجبت الفريقين، لذلك إما أن يكون للفريقين تقبل الواقع والمصير والمستقبل، أو الاستسلام لطريقٍ مخالفٍ لكليهما، وبقاء الفكرة ماضية بدونهما. وهذا وصف حال أهل غزة أمام تيارين أو فريقين: شعبٍ يريد الحياة بعزةٍ وكرامة، وشعبٍ يرغب في الظلام بذلٍّ ومهانة، ووسطهما ملاذٌ مفقود يقدمه عدوهما كطُعْم.

الاحتلال يرسم مخططات الفوضى وأهداف الفتنة بين الشعب للتفريق وتمزيق الداخل الغزي وسلخه من عقيدته ودينه وفكرته ورسالته التي ارتقى من أجلها الشهداء وسقط خلالها الجرحى والأسرى. يسعى العدو ألّا تقوم لهذه البقعة قائمة، وأن تغرق في وحل الفلتان والفوضى والفتنة والحرب الأهلية الداخلية، بسياسته القذرة التي أعدها داخل أجهزته الاستخبارية وسخّر لها ميليشياته. حراكٌ واضح الأهداف والمخرجات للزج بشعبنا، الذي صمد وصبر أمام آلة الحرب والقتل والدمار والإبادة والتجويع والترويع والنزوح والحصار، ويكسر الإرادة ويدمر الوحدة ويبدد الحق. فالاحتلال يريد منا خلع الثوب والخضوع بالطاعة للحصول على الطعام والماء والبقاء في حالة استجداء.

هل شعب غزة يرضى بحياة الاستجداء؟!

الحرب تخلق أساليب عديدة ووسائل مختلفة، وشعب غزة يأبى العيش والبقاء إلا في حياةٍ عزيزة وشريفة وكريمة. ويقع في الطريق طابور خامس من العملاء والمتخاذلين، يحاولون التفريق والحياد والبطش والسرقة والتآمر والخداع. بدأت هذه الممارسات بسرقة المساعدات الإنسانية، ومقاومة الناس والمواطنين على شرائها بأثمان باهظة في سياسة التجويع، ثم نصب الحواجز وابتزاز النازحين على الرضا والقبول بالحال أو إعدام أبنائهم وأسرهم، في سياسة الترويع والتركيع، وفق منظومة المؤامرة التي خططت لها مخابرات الشاباك ونفذتها ميليشيات العصابات، ثم المشاركة في عمليات تخريب وقتل وتصفية حسابات وخطف أطباء وصحفيين، واستدراج نازحين واستخدامهم دروعًا بشرية، ومساومتهم لإخضاعهم للعمليات الميدانية تحت التهديد والوعيد بالخطف والإعدام.

من الواضح أن الاحتلال بعد الحرب والإبادة والحصار والدمار يرغب في الانتقال من الوسائل الخشنة للانتقام من شعب غزة إلى الوسائل الناعمة؛ فبعد توظيف الميليشيات العصابية حاك مؤامرات الفتنة والفرقة والفوضى والفلتان، ونادى بصوتٍ شعبيٍّ لتنظيم حراك؛ ضد مَن؟! وأين؟! ومتى؟! وكيف؟! ولماذا؟!

الواقع يقول إن الاحتلال يسيطر على نسبة 70٪ من مساحة غزة، ويسرق الأراضي بتقديم الخط الأصفر، ويواصل العدوان والمجازر والقصف والاغتيال يوميًا، ويدعم ميليشيات عصابية، ويجند العملاء، ويقلص إدخال شاحنات المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، ويمنع سفر الجرحى للعلاج وعودة العالقين، ويزيد من تشديد الخناق لتفاقم المعاناة.

نعم، شعب غزة يطالب بحراك لإعادة انسحاب الاحتلال، ووقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وفتح المعبر، ورفع الحصار، والعيش بسلام وأمان وحرية واستقرار، وليس بذلٍّ ومهانة تحت بسطار العدو. فالحراك الذي يحرض له ساقطون أخلاقيًا، ومشبوهون أمنيًا، ومنحرفون فكريًا، وهاربون نفسيًا، لا يقود إلى البر، بل إلى الغرق في بحر الخذلان والمهانة. فمن عجز عن التحرر من الفشل الذاتي لا يصبح صاحب مشروع، بل إن الحراك الشعبي تطالب به فئات المجتمع المدني كافة، بألوانه وأطيافه ومعتقداته، ولن يكون سُلّمًا رخيصًا، بل ثمنًا وطنيًا للكل الفلسطيني، ويروج له محليًا بما يلقى قبولًا عائليًا وعشائريًا داعمًا ومؤيدًا لأهدافه، وليس كما هو الأمر الواقع في ترويج الإعلام العبري والمنصات الاجتماعية.

نعم، حراكٌ مجتمعي ووطني كامل وشامل يضم مفاهيم وطنية؛ حراك يبدأ من داخل المجتمع، من خلال مشاركة الشباب واللجان الشعبية وهيئات العشائر والعائلات وكافة فئات وأعمار المجتمع، ومن حوارنا اليومي، بقصد الوصول إلى جسم وطني مجتمعي فلسطيني متكامل.

نحتاج إلى نبذ كل الخلافات والتجاوزات والصفات السلبية التي فاقمتها الحرب، ووأد كل ما هو دخيل على أخلاقنا وديننا وقيمنا وأعرافنا الوطنية والعشائرية، وزرع الخصال الحسنة والقيم الإنسانية والأخلاقية الطيبة التي تقلل من النزاعات وتخفف المعاناة، وتمنع تفككنا الداخلي، وتجسد التماسك والانسجام المجتمعي الموحد الواعي، الذي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة كل ما يُحاك ضدنا من مخططات العدو وأذنابه، من خلال افتعال الخلافات والنزاعات والتفرقة والتعصب لآراء وأهواء أفراد لا تقدم ولا تؤخر، وتضرنا أكثر مما تنفعنا لأسباب تافهة وغير منطقية.

فعلينا الأخذ والعمل بمقتضى قواعد شرعية وضرورات وطنية، والحذر الفردي والعمل الجماعي بقاعدة: الوقاية خير من قنطار علاج. لذا، فإن الاهتمام بالوقاية مناعةٌ فكرية ومحافظةٌ فطرية. ومطلوب الحذر في كل الأوقات، والانتباه واليقظة في وضع الخطوات، والتفكير الجيد قبل اتخاذ القرارات، حيث نعيش صراعًا ذهنيًا معقولًا لمواجهة العواطف ومحاربة المواقف، وتغليب المصلحة العامة على الأمور الذاتية والفردية.

اخبار ذات صلة