قائمة الموقع

العلو الكبير والسقوط الأخير

2026-06-25T08:52:00+03:00
توضيحية

كلما ظهر بنيامين نتنياهو في خطاب جديد، عاد السؤال ذاته ليفرض نفسه: هل يتحدث الرجل من موقع القوة أم من موقع الخوف؟ وهل تعكس نبرته المرتفعة ثقةً حقيقية بما يملك، أم أنها محاولة لإخفاء حجم المأزق الذي يواجهه؟

الخطاب الأخير لنتنياهو بدا مختلفًا في نبرته واتساع ساحاته. لم يتحدث عن غزة وحدها، بل انتقل بين إيران وسوريا ولبنان وتركيا والولايات المتحدة، وكأنه يرسم خريطة مواجهة مفتوحة مع الجميع. تحدث بلغة المنتصر الذي لا تحده قيود، وأعاد التأكيد على أن إسرائيل قادرة على فرض إرادتها حتى لو تعارض ذلك مع رغبات حلفائها، في مشهد يعكس قدرًا كبيرًا من الغرور السياسي والعسكري.

في عالم السياسة، كثيرًا ما تكون اللحظات التي يبلغ فيها القادة أعلى درجات الثقة الظاهرة هي ذاتها اللحظات التي يشعرون فيها بأكبر قدر من الخطر. فالتاريخ مليء بأمثلة لقادة لجأوا إلى التصعيد الخارجي عندما ضاقت بهم الأزمات الداخلية. وعندما يشعر السياسي بأن مستقبله الشخصي أو موقعه القيادي مهدد، يصبح أكثر استعدادًا للمغامرة واتخاذ قرارات لم يكن ليقدم عليها في الظروف الطبيعية.

نتنياهو يدرك أن الحرب الطويلة في غزة لم تحقق جميع الأهداف التي أعلنها في بدايتها. كما يدرك أن المشهد الإقليمي تغير بصورة كبيرة، وأن صورة الردع الإسرائيلي تعرضت لاختبارات غير مسبوقة. ولهذا يبدو الرجل في حالة سعي دائم لإثبات أن زمام المبادرة ما زال بيده، وأن إسرائيل ما زالت قادرة على الانتقال من جبهة إلى أخرى ومن مواجهة إلى أخرى.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه في خطابه الأخير أنه لم يتحدث عن غزة باعتبارها منطقة منكوبة تحتاج إلى إعادة إعمار أو معالجة آثار الحرب، بل تحدث بلغة المنتصر الذي يريد أن يفرض رؤيته بالقوة مهما كانت النتائج. فقد أشار إلى إعطاء أوامر تتعلق بمشاريع ومرافق في محيط غزة، وتحدث بلهجة توحي بأن مستقبل القطاع سيُرسم وفق الإرادة الإسرائيلية وحدها، بل وصل به الأمر إلى إطلاق تصريحات صادمة مفادها أنه "لن يبقى شيء في غزة"، وأن هذه الرسالة موجهة أيضًا إلى الوسطاء.

وهنا تتكشف طبيعة الأزمة الحقيقية. فالمسألة لم تعد مجرد حرب أو مواجهة عسكرية، بل أصبحت تعبيرًا عن عقلية سياسية ترى أن القوة تمنح صاحبها الحق في تجاوز كل شيء؛ الأرض والإنسان والاتفاقات والوعود. ولهذا فإن الوسطاء الذين راهنوا مرارًا على التفاهمات والضمانات عليهم أن يتذكروا أنهم يتعاملون مع رجل أثبتت التجارب المتكررة أنه لا يتردد في نقض العهود متى رأى في ذلك مصلحة سياسية أو شخصية.

لقد سلّم كثيرون رقاب أهل غزة إلى مسار تفاوضي كان يفترض أن يوقف المأساة أو يخفف منها، لكن خطاب نتنياهو الأخير جاء ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا. جاء ليقول إن الحرب لم تغادر عقله، وإن لغة التهديد ما زالت حاضرة، وإنه ما زال يتصرف بعقلية من يعتقد أن المزيد من القوة سيمنحه المزيد من المكاسب.

وهنا يظهر معنى "العلو الكبير". فحين يصل القائد إلى مرحلة يعتقد فيها أن بإمكانه تحدي الجميع، وأنه قادر على فرض إرادته على المنطقة بأسرها، وأن الاتفاقات ليست سوى أوراق مؤقتة يمكن تمزيقها عند الحاجة، فإنه يكون قد بلغ ذروة الغرور السياسي. والتاريخ يعلمنا أن لحظات العلو هذه كثيرًا ما تكون مقدمة لتحولات كبرى، لأن أصحابها يتوقفون عن رؤية حدود القوة وحدود الواقع.

الحديث عن البقاء في لبنان، والتلويح المستمر بإيران، والإشارات المتزايدة إلى سوريا، كلها تدل على أن نتنياهو لا ينظر إلى المنطقة باعتبارها دخلت مرحلة تهدئة، بل باعتبارها ما زالت ساحة مفتوحة لإعادة رسم موازين القوى. وهنا تبرز سوريا باعتبارها واحدة من أكثر الساحات حساسية، لأن أي تصعيد واسع فيها لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل قد يمتد إلى أطراف إقليمية أخرى تمتلك مصالح ونفوذًا مباشرًا على الأرض السورية.

ومن بين هذه الأطراف تبرز تركيا باعتبارها لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله. فالتداخل الجغرافي والعسكري والسياسي في الملف السوري يجعل أي تغير كبير في المعادلة السورية محل متابعة دقيقة من أنقرة. ولهذا يرى بعض المراقبين أن أي توسع للمواجهة داخل سوريا قد يفتح الباب أمام احتكاكات إقليمية جديدة لم تكن مطروحة قبل سنوات.

ما يلفت الانتباه أيضًا أن نتنياهو تحدث بلغة أقرب إلى لغة "العلو الكبير"، وهي الحالة التي يتوهم فيها بعض القادة أن القوة التي بين أيديهم قادرة على تجاوز كل الحدود والقيود. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن لحظات الغرور السياسي غالبًا ما تكون مقدمة لأخطاء جسيمة، لأن صاحبها يتوقف عن رؤية المخاطر الحقيقية من حوله.

لا أحد يستطيع الجزم بما ستشهده المنطقة خلال المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن الخطاب الأخير لم يكن خطاب رجل يستعد لإغلاق الملفات، بل خطاب رجل يوحي بأنه ما زال يبحث عن معارك جديدة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إلى أين يريد نتنياهو أن يذهب، بل إلى أي مدى تستطيع المنطقة تحمل نتائج مغامرات جديدة إذا قرر المضي في هذا الطريق.

فالتاريخ يعلمنا أن العلو الكبير قد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه لا يمنحه حصانة من السقوط، وأن اللحظات التي يرتفع فيها الصوت إلى أقصى درجاته قد تكون أحيانًا إشارة إلى أن صاحب الصوت يشعر في داخله بأن الأرض من تحته لم تعد ثابتة كما كانت من قبل.

اخبار ذات صلة