تخوض بنوك الدم في قطاع غزة معركة يومية صامتة للحفاظ على حياة آلاف المرضى والجرحى الذين يعتمدون على نقل الدم بشكل دوري للبقاء على قيد الحياة، مع استمرار حرب إسرائيلية استنزفت المنظومة الصحية وعمّقت نقص الإمدادات الطبية بشكل غير مسبوق.
فبينما أدت الحرب إلى تدمير واسع في البنية التحتية الصحية واستنزاف الموارد، برزت أزمة نقص وحدات الدم كأحد أخطر التحديات التي تواجه المستشفيات، مع ارتفاع الطلب بشكل متواصل نتيجة أعداد الجرحى، ومرضى الثلاسيميا والسرطان وأمراض الدم المزمنة.
وفي المقابل، تراجعت قدرة بنوك الدم على تلبية الاحتياجات بسبب تدمير المعدات ونقص المستلزمات وصعوبة تنظيم حملات التبرع، إلى جانب الظروف المعيشية الصعبة التي أثرت على صحة المتبرعين أنفسهم.
في هذا الواقع، يتحول الحصول على وحدة دم إلى رحلة شاقة قد تحدد مصير الحياة أو الموت لكثير من المرضى.
رحلة بحث عن الحياة
لم يعد معين أبو سعدة (38 عامًا) ينظر إلى كيس الدم باعتباره إجراءً طبيًا روتينيًا، بل شريان حياة يربطه بالبقاء. فالرجل الذي يعاني من أحد أمراض الدم المزمنة يحتاج إلى نقل دم دوري، إلا أن الحرب جعلت حصوله على العلاج أكثر صعوبة وتعقيدًا.
داخل مركز إيواء بمدينة غزة، يقول أبو سعدة لصحيفة "فلسطين": "في السابق كنت أعرف موعد نقل الدم وأتوجه للمستشفى مطمئنًا، أما اليوم فأذهب ولا أعلم إن كنت سأعود بالعلاج أم بخيبة أمل".
ويضيف أن فترات الانتظار باتت تمتد لأسابيع إضافية، ما يؤدي إلى تدهور حالته الصحية تدريجيًا: "أشعر بدوار وضيق في التنفس وتسارع في ضربات القلب، حتى المشي يصبح مرهقًا".
ويؤكد أن أسرته تعيش حالة قلق مستمرة، بينما يقف هو عاجزًا أمام تدهور حالته: "أصعب شعور أن تعلم أن علاجك موجود في العالم، لكنك غير قادر على الوصول إليه".
ورغم ذلك، يتمسك بالأمل، قائلًا: "كل متبرع يمنحنا حياة إضافية. كيس الدم ليس مجرد علاج، بل أيام إضافية مع عائلاتنا".
ويختم: "لا أطلب معجزة، فقط علاج في موعده دون خوف أو انتظار".
بين القلق والانتظار
تعيش حسنة حبيب (46 عامًا) تجربة مشابهة، لكنها أكثر إرهاقًا بعد أن أصبحت مهددة يوميًا بنقص الدم اللازم لاستقرار حالتها الصحية.
داخل منزل متضرر في مدينة غزة، تقول حبيب لـ"فلسطين": "قبل الحرب كان نقل الدم منتظمًا رغم الصعوبة، أما الآن فأنتظر أسابيع طويلة دون موعد ثابت".
وتوضح أن تأخر العلاج ينعكس مباشرة على حياتها اليومية: "أشعر بأن جسدي يتوقف، دوخة وإرهاق دائم وصعوبة في الحركة".
وتضيف بأسى: "لم أعد أستطيع القيام بأعمال المنزل أو رعاية أبنائي كما في السابق، المرض يسرق حياتي تدريجيًا".
وتشير إلى أن زياراتها للمستشفيات غالبًا ما تنتهي بخيبة أمل بسبب نقص الوحدات: "ننتظر ساعات طويلة ثم نعود بلا علاج".
وتقول إن الحرب غيّرت حتى مفهوم المرض: "لم يعد السؤال متى موعد العلاج، بل هل يوجد علاج أصلًا؟".
ورغم ذلك، ترى أن حملات التبرع تمثل بارقة أمل: "كل متبرع يمدنا بفرصة جديدة للحياة".
وتختم: "كيس الدم هو الحياة نفسها بالنسبة لنا".
تحديات غير مسبوقة
من جانبه، يقول رئيس جمعية بنك الدم في قطاع غزة ناهض أبو عاصي إن بنوك الدم تواجه أزمة غير مسبوقة منذ بدء الحرب، بفعل الاستهداف المباشر للمرافق الصحية وتدمير البنية التحتية.
ويؤكد أن العدوان أدى إلى تدمير مقرات الجمعية في رفح وخانيونس بالكامل، بما فيها الأجهزة والمعدات، إضافة إلى تضرر منظومة الطاقة الشمسية في المقر الرئيسي بمدينة غزة.
ورغم ذلك، يوضح أن الطواقم واصلت العمل عبر حملات ميدانية داخل مراكز النزوح والتجمعات السكانية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات المستشفيات.
ويشير إلى أن عام 2024 شهد جمع آلاف وحدات الدم، رغم الظروف الأمنية والإنسانية الصعبة.
لكن أبو عاصي يحذر من أن الأزمة تتفاقم بفعل تراجع أعداد المتبرعين نتيجة سوء التغذية وانخفاض نسب الهيموغلوبين، إضافة إلى صعوبات الحركة والمخاطر الأمنية.
في المقابل، ارتفع الطلب بشكل كبير بسبب أعداد الجرحى ومرضى السرطان والثلاسيميا الذين يحتاجون نقل دم مستمر.
كما يوضح أن الحرب تسببت في تدمير أجهزة حيوية داخل بنوك الدم، تشمل أجهزة الفحص وفصل المكونات وثلاجات حفظ الدم والبلازما.
ويضيف أن أزمة الكهرباء والوقود تزيد من صعوبة الحفاظ على وحدات الدم ضمن درجات حرارة آمنة، ما يهدد استمرارية العمل.
ورغم ذلك، يشير إلى أن حملات التبرع تشهد تحسنًا نسبيًا في بعض الفترات، ما يعكس وعيًا مجتمعيًا متزايدًا بأهمية التبرع في إنقاذ الأرواح.

