أفرزت الحرب وما رافقها من تطورات سياسية وأمنية حالة واسعة من عدم اليقين في الاقتصاد الفلسطيني، انعكست انعكاسًا مباشرًا على سلوك المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين اتجهوا إلى تبني نهج أكثر تحفظاً يقوم على تقليل المخاطر واللجوء إلى الادخار باعتباره الخيار الأكثر أماناً في الظروف الراهنة، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
وأظهرت بيانات صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية أن ودائع القطاع الخاص لدى البنوك العاملة في فلسطين بلغت نحو 22.09 مليار دولار حتى نهاية نيسان/أبريل الماضي، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 3% مقارنة بالشهر السابق، وبنحو 15% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025. ويعكس هذا النمو استمرار تدفق السيولة نحو الجهاز المصرفي رغم التحديات الاقتصادية القائمة.
ورغم هذا الارتفاع، يرى مراقبون اقتصاديون أن هذه المؤشرات لا تعكس تحسناً فعلياً في النشاط الاقتصادي، بل تشير إلى حالة من الجمود الاستثماري، حيث تبقى الأموال داخل البنوك دون توجيهها نحو قطاعات إنتاجية قادرة على تحفيز النمو أو خلق فرص عمل، ما يحد من حيوية الاقتصاد المحلي.
ويعزو مختصون هذا السلوك إلى حالة الحذر والترقب التي تهيمن على قرارات الأفراد والشركات في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب ضعف الثقة بقدرة السوق على استيعاب استثمارات طويلة الأجل، الأمر الذي يدفع رؤوس الأموال إلى البقاء في صورة سيولة داخل النظام المصرفي.
تكدس السيولة
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة أن البنوك تُعد المستفيد الأكبر من هذا التراكم في الودائع، موضحاً أن جزءاً كبيراً منها يُودع بعملات أجنبية مثل الدولار والدينار، ما يمنح المؤسسات المصرفية قدرة أكبر على إعادة توظيف هذه الأموال في أدوات مالية واستثمارية متنوعة، سواء من خلال الإقراض أو الاستثمارات الخارجية.
وأضاف لـ"فلسطين" أن العديد من البنوك العاملة في فلسطين تمثل امتداداً لمصارف عربية وأجنبية، ما يتيح لها إعادة تدوير جزء من هذه السيولة خارج الاقتصاد المحلي. ونتيجة لذلك، لا ينعكس العائد بالكامل على السوق الفلسطينية، بل يتوزع ضمن منظومات مصرفية أوسع، الأمر الذي يحد من الأثر التنموي المباشر لهذه الودائع.
وأكد دراغمة أن هذه الديناميكية تخلق اختلالاً هيكلياً يتمثل في تكدس السيولة داخل البنوك في وقت يعاني فيه الاقتصاد من نقص واضح في الاستثمارات الإنتاجية. كما أن القطاع المصرفي يعمل ضمن نظام مالي عالمي يوفر له درجة عالية من الحماية والاستقرار، ما يعزز قدرته على تحقيق أرباح دون تحمل مخاطر كبيرة.
وتشير التجارب السابقة، خصوصاً خلال فترات الأزمات، إلى أن البنوك تبقى الملاذ الأكثر أماناً للمدخرات، ما يعزز التوجه نحو الادخار حتى في أصعب الظروف، بدافع الخوف من فقدان الأصول أو تراجع قيمتها.
وتوضح البيانات أن إجمالي الحسابات الجارية بلغ نحو 9.57 مليار دولار، فيما وصلت حسابات التوفير إلى 7.63 مليار دولار، وبلغت الودائع لأجل نحو 4.88 مليار دولار. كما تستحوذ ودائع الأفراد المقيمين على الحصة الأكبر بنحو 15.7 مليار دولار، تليها ودائع الشركات بنحو 5.3 مليار دولار، ما يعكس هيمنة الادخار الفردي على النشاط المصرفي.
تعمّق حالة الركود
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن نمو الودائع لا يمكن اعتباره مؤشراً إيجابياً بحد ذاته، بل يجب قراءته في سياقه الاقتصادي العام الذي يتسم بالضبابية وضعف النمو. ويشير إلى أن هذا الارتفاع يعكس تفضيل الأفراد والشركات الاحتفاظ بالسيولة داخل البنوك بدلاً من ضخها في الاقتصاد الحقيقي.
وأضاف لـ"فلسطين" أن هذا السلوك يرتبط بارتفاع مستويات عدم اليقين وضعف البيئة الاستثمارية نتيجة القيود الهيكلية، ما يجعل رأس المال في حالة انتظار داخل النظام المصرفي. كما لفت إلى أن تراجع القدرة الشرائية للأسر أسهم في تحويل الادخار من خيار إلى ضرورة، إلى جانب انتشار ما يُعرف بـ"الادخار التحوطي" الناتج عن المخاوف من فقدان الدخل أو الوظيفة.
وحذر أبو عامر من أن المشكلة لا تكمن في الادخار بحد ذاته، بل في عدم تحوله إلى استثمار فعلي، إذ إن استمرار تجميد السيولة يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، وانخفاض الإنفاق، وضعف قدرة الشركات على التوسع والتوظيف.
كما أن استمرار هذا الاتجاه يساهم في تجميد رأس المال عملياً، حيث تبقى السيولة متوفرة نظرياً لكنها غير فعالة اقتصادياً، ما ينعكس سلباً على القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة، ويحد من خلق فرص عمل جديدة.
ويخلص أبو عامر إلى أن هذه الحلقة الاقتصادية تبدأ بالخوف وتنتهي بضعف النشاط وارتفاع معدلات البطالة، ما يعيد إنتاج حالة عدم اليقين ويعمّق حالة الركود.
وأكد أن ارتفاع الادخار في السياق الحالي لا يعكس ازدهاراً اقتصادياً، بل يمثل سلوكاً دفاعياً فرضته الظروف غير المستقرة، ما يستدعي تبني سياسات اقتصادية قادرة على تحويل السيولة المتراكمة إلى استثمارات إنتاجية حقيقية تدعم النمو وتعزز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود.