قائمة الموقع

"عودة الحلاوة إلى الأرض".. البطيخ يرمم ذاكرة الحياة في غزة رغم الإبادة

2026-06-23T08:47:00+03:00
البطيخ يزين أسواق غزة
فلسطين أون لاين

في زمنٍ أثقلته حرب الإبادة بالخراب والجوع والخسائر، تعود بعض تفاصيل الحياة الصغيرة لتشبه معجزة بقاء. في قطاع غزة، لم يكن البطيخ مجرد محصول صيفي هذا العام، بل تحول إلى علامة على عودة الروح إلى الأرض، ورسالة صامتة بأن الحياة يمكن أن تنبت من بين الركام.

بين خطوط الزراعة الممتدة في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، ينحني المزارع سالم أبو عودة (45 عاماً) فوق ثمار البطيخ، يربت عليها قبل أن يقطع إحداها ليكشف عن لبها الأحمر القاني. يبتسم وهو يتأمل الثمرة التي انتظرها شهوراً طويلة، قائلاً إن عودة البطيخ إلى أرض غزة تشبه عودة جزء من الحياة التي غابت بفعل الحرب.

بعد أشهر من النزوح والدمار الذي طال أرضه الزراعية، قرر أبو عودة العودة إلى حقله في محاولة لإحيائه من جديد. كانت الأرض مليئة بالحفر وآثار التجريف، فيما دُمّرت شبكات الري وتضررت أجزاء واسعة من المحصول السابق. ورغم ذلك، بدأ بإزالة الركام وإصلاح ما يمكن إصلاحه، بمساعدة أبنائه وبعض جيرانه.

يقول لصحيفة "فلسطين": "عندما عدت إلى الأرض شعرت أنني أعود إلى نفسي. الحرب أخذت منا الكثير، لكن الأرض بقيت الشيء الوحيد القادر على منحنا أملاً جديداً".

ويضيف: "في البداية لم أكن متأكداً أن الأرض ستعطي من جديد. كانت آثار الدبابات واضحة في كل مكان، لكننا زرعنا البذور وتمسكنا بالأمل".

وخلال الأشهر الماضية، تمكن أبو عودة من زراعة ثلاثة دونمات بالبطيخ، ومع بداية الموسم بدأت الثمار بالنضوج لتصل إلى الأسواق المحلية. ويؤكد أن الإقبال الكبير على البطيخ لا يرتبط بالطعام فقط، بل بالرمزية التي يحملها لدى الغزيين.

ويقول: "البطيخ ليس مجرد فاكهة صيفية بالنسبة لنا. عندما يراه الناس في الأسواق يتذكرون أيامهم قبل الحرب، الجلسات العائلية والرحلات وأجواء الصيف الطبيعية. عودته إلى الموائد تعطي الناس شعوراً بأن الحياة يمكن أن تعود من جديد".

ورغم نجاح الموسم نسبياً، لا تزال أسعار البطيخ مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. ويوضح أبو عودة أن سعر الكيلو الواحد وصل إلى نحو ثمانية شواكل، بينما لم يكن يتجاوز شيكلاً واحداً في السابق.

ويشرح أسباب ذلك قائلاً: "تكاليف الزراعة ارتفعت بشكل كبير. البذور أصبحت نادرة، والوقود باهظ الثمن، وشبكات الري دُمّرت، كما أن كثيراً من المزارعين فقدوا معداتهم الزراعية. كل هذه العوامل انعكست على تكلفة الإنتاج".

ويتابع: "رغم ارتفاع السعر، ما زال الناس يشترون البطيخ لأنهم افتقدوه منذ سنوات. كثير من العائلات تعتبر شراء بطيخة واحدة مناسبة خاصة تعيد إليها شيئاً من ذكريات الحياة الطبيعية".

ويختم حديثه قائلاً: "حين أرى الأطفال يأكلون البطيخ ويضحكون، أشعر أن تعب الشهور الماضية لم يذهب سدى. الأرض ما زالت قادرة على منح الناس أملاً رغم كل ما حدث".

وتشير تقديرات القطاع الزراعي إلى أن أكثر من 75% من الأراضي الزراعية في غزة تعرضت للتدمير أو الضرر بدرجات متفاوتة خلال الحرب، نتيجة القصف والتجريف والعمليات العسكرية. كما تضررت مئات الآبار وشبكات الري والبيوت البلاستيكية، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج وارتفاع أسعار المحاصيل الأساسية.

ورغم ذلك، يحاول المزارعون العودة تدريجياً إلى أراضيهم وإعادة زراعة المحاصيل الموسمية، في محاولة لاستعادة الأمن الغذائي وإنعاش القطاع الزراعي الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي.

مذاق لم تغيّره الحرب

في أحد أسواق مدينة غزة، حملت أم محمد الكرد بطيخة متوسطة الحجم وعادت بها إلى خيمتها التي تقيم فيها مع أسرتها منذ أشهر. وما إن وضعتها حتى تجمع أطفالها حولها بلهفة، ينتظرون لحظة تقطيعها بعد غياب طويل عن هذه المشاهد.

تقول الكرد (39 عاماً) لـ"فلسطين": "أطفالي كانوا يسألونني منذ أشهر متى سيعود البطيخ إلى الأسواق. كانوا يتذكرون طعمه باستمرار".

وبعد التقطيع، وزعت الأم الثمار على أطفالها الذين بدأوا بتناولها بسرعة. وتقول: "أكثر ما أسعدني أن الطعم بقي كما هو. رغم الحرب والدمار، ما زال البطيخ يحمل الحلاوة نفسها التي عرفناها قبل سنوات".

وتضيف: "عندما تذوقت أول قطعة شعرت أنني عدت للحظات إلى حياتنا القديمة. للحظة نسيت الخيمة والحرب وكل تفاصيل المعاناة".

أما ابنها محمد (12 عاماً) فيقول: "اشتقت للبطيخ كثيراً. كنت أنتظر عودته إلى الأسواق، وطعمه لذيذ كما أتذكره".

وتتابع الأم: "قد يبدو الأمر بسيطاً للآخرين، لكنه بالنسبة لنا يحمل معنى كبيراً. نحن لا نشتري فاكهة فقط، بل نشتري ذكرى جميلة من حياتنا السابقة".

وتشير إلى أن ارتفاع الأسعار جعل شراء البطيخ أمراً صعباً، لكنها أصرت على شرائه لإدخال الفرحة إلى قلوب أطفالها.

وتقول: "دفعت مبلغاً ليس قليلاً، لكنني لم أندم. رؤية الأطفال سعداء جعلتني أشعر أن هناك شيئاً جميلاً ما زال موجوداً في حياتنا".

وتختم: "الحرب دمرت البيوت والشوارع والأشجار، لكنها لم تستطع أن تسرق مذاق البطيخ من غزة. هذه الثمرة تذكرنا دائماً بأن الحياة قادرة على العودة مهما طال الخراب".

إقبال كبير

يقول بائع الفواكه محمود النجار لـ"فلسطين" إن البطيخ يتصدر قائمة أكثر الفواكه طلباً خلال الموسم الحالي، رغم ارتفاع سعره مقارنة بالسنوات التي سبقت الحرب.

ويضيف: "منذ وصول أول كميات من البطيخ المحلي إلى الأسواق لاحظنا إقبالاً كبيراً. الناس كانوا ينتظرون الموسم بفارغ الصبر، لأنه جزء أساسي من الصيف في غزة".

ويوضح أن كثيراً من العائلات تشتري البطيخ رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، لأنه يمثل رمزاً لعودة الحياة تدريجياً، إلى جانب مذاقه المرتبط بالذاكرة الجمعية.

ويقول: "هناك من يشتري بطيخة صغيرة فقط لإسعاد أطفاله أو لاستعادة ذكريات ما قبل الحرب".

ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار يعود إلى تراجع المساحات المزروعة وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، إضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع الزراعي.

ويؤكد النجار أن الموسم الحالي يحمل دلالة خاصة لدى الغزيين: "حين يرى الناس البطيخ في السوق يشعرون أن الأرض ما زالت تنبض بالحياة. هذه الثمرة أصبحت رسالة أمل أكثر من كونها سلعة زراعية".

اخبار ذات صلة