قائمة الموقع

الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول

2026-06-23T08:32:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

في لحظات المحن الكبرى تتساقط القضايا الصغيرة، وتعلو قضية البقاء والكرامة، وحين يكون العدو على الأبواب ويواصل القتل والتدمير والحصار، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة هو أن تتحول سهامها إلى صدورها، وأن تنشغل بمعاركها الداخلية، في حين لا تزال سكين الاحتلال مغروسة في جسد شعبها.

غزة اليوم ليست مجرد ساحة صراع سياسي، ولا ميدانًا لتصفية الحسابات الحزبية. غزة مدينة تنزف، وأطفال يبحثون عن لقمة خبز، وأمهات يفترشن الأرض تحت أقمشة الخيام، وعائلات كاملة فقدت البيوت والأرزاق والأمان. هناك مرضى ينتظرون دواءً قد لا يأتي، وجرحى يواجهون آلامهم بأجساد منهكة، وشعب يعيش على حافة الجوع والعوز، بينما العالم يتحدث كثيرًا ويفعل قليلًا.

في مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال: من انتصر في خلاف سياسي؟ ومن كسب جولة إعلامية؟ السؤال الحقيقي هو: كيف نحمي شعبنا؟ وكيف نحافظ على ما تبقى من قوته؟ وكيف نجعل الاحتلال يدفع ثمن جرائمه، لا أن ندفع نحن ثمن خلافاتنا؟

الاحتلال الإسرائيلي لم يتوقف عن سياسة القتل والتجويع والتضييق، رغم الهدن والاتفاقات، فهو يتعامل مع كل فرصة لالتقاط الأنفاس باعتبارها مساحة جديدة لفرض الوقائع بالقوة، وممارسة المزيد من الضغوط على المدنيين. ولذلك فإن أخطر هدية يمكن أن نقدمها للاحتلال هي أن نمنحه مشهد الانقسام والتشظي، وأن نظهر أمام العالم شعبًا يتنازع على جراحه بدلًا من أن يتوحد حول إنقاذها.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تخوض معارك التحرر لا تنتصر فقط بقوة السلاح، ولا بكثرة الشعارات، وإنما بصلابة الجبهة الداخلية. فالوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا صورة تُلتقط أمام الكاميرات. الوحدة قرار أخلاقي وسياسي يضع مصلحة الناس فوق الحسابات الخاصة، ويقدم الوطن على الحزب، والشعب على الجماعة.

ومن المؤلم أن يأتي هذا الحديث عن الوحدة، في حين يعيش أهل غزة واحدة من أقسى المآسي في تاريخهم الحديث. خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وفقر يطرق كل باب، وأمراض تنتشر في بيئة مدمرة، وخدمات صحية تكاد تنهار، ومجتمع دولي عجز عن توفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، أو فرض احترام القوانين الإنسانية التي يتغنى بها.

الذين يقفون اليوم في الخيام لا يسألون عن هوية من يحمل إليهم رغيف الخبز، ولا عن انتماء من يسعف أبناءهم. وجعهم أكبر من الانقسامات، وحاجتهم إلى التكاتف أكبر من أي خلاف، ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى والفعاليات والشخصيات أن تخفض أصوات الخصومة، وترفع صوت الواجب.

ليس الوقت وقت تسجيل النقاط، ولا فتح دفاتر الماضي، ولا استدعاء جراح الخلافات القديمة. فالبيت الذي يحترق لا يناقش أهله لون الجدران، بل يتعاونون جميعًا لإخماد النيران. وغزة اليوم بيت فلسطيني يحترق، وكل يد تمتد لإطفاء الحريق هي يد مباركة، مهما كان موقعها أو توجهها.

يراهن الاحتلال دائمًا على تعب الشعوب وانقسامها، ويشجع على ذلك، وأن يتحول الألم إلى خلاف، واليأس إلى خصومة. لكن الرد الحقيقي على هذا الرهان هو مزيد من التماسك، ومزيد من الوعي بأن المعركة الأساسية لا تزال مع من يهدم البيوت، ويقتل الأبرياء، ويمنع الغذاء والدواء عن شعب محاصر.

ستبقى الخلافات السياسية أمرًا طبيعيًا في حياة الشعوب، لكن الأوطان العاقلة تعرف متى تؤجل خلافاتها، ومتى توحد صفوفها. وغزة، التي دفعت من دمائها وأطفالها وبيوتها ثمنًا باهظًا، تستحق من الجميع أن يرتفعوا إلى مستوى تضحياتها.

فحين يصرخ الطفل من الجوع، وتسهر الأم على مريضها تحت سقف الخيمة، يصبح الوفاق واجبًا وليس خيارًا، وتصبح الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول في وجه الاحتلال ومخططاته. فالأوطان الجريحة لا يداويها المزيد من الانقسام، وإنما تداويها القلوب التي تجتمع على هدف واحد، هو حماية الإنسان، وصون الكرامة، والدفاع عن حق الشعب في الحياة والحرية.

اخبار ذات صلة