حصد الفيلم الوثائقي الفلسطيني "توأما غزة.. عودا إليّ" للمخرج محمد الصواف جائزة أفضل فيلم وثائقي ضمن فئة الأفلام الدولية في الدورة السابعة عشرة من جوائز TRT الدولية للأفلام الوثائقية في تركيا، مواصلًا حضوره اللافت في المحافل العالمية، عبر تقديم واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا، التي أفرزتها الحرب على قطاع غزة.
ويرصد الفيلم حكاية الأم رانيا، التي وجدت نفسها أمام خيار قاسٍ فرضته ظروف الحرب، بعدما اضطرت إلى ترك طفليها التوأمين، حمود وجوان، داخل حضانات مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة عقب ولادتهما المبكرة، في حين نزحت مع زوجها وأطفالها الخمسة الآخرين إلى جنوب القطاع هربًا من القصف الإسرائيلي المتواصل.
وعلى مدار 16 شهرًا، يتتبع الفيلم رحلة الفراق الطويلة بين الأم وطفليها، اللذين نشآ في أجواء الحرب والنزوح والخوف، في حين كانت والدتهما تتابع تفاصيل حياتهما عبر مقاطع فيديو ورسائل متقطعة، عاجزة عن احتضانهما أو رعايتهما. ومن خلال مشاهد إنسانية مؤثرة، يوثق الفيلم تفاصيل هذا الفراق حتى لحظة اللقاء المنتظر وعودة التوأمين إلى حضن أمهما بعد أكثر من عام من المعاناة.
غير أن النهاية لم تكن مكتملة الفرح؛ إذ تعرض الطفل حمود لضرر عصبي نتيجة نقص الأكسجين خلال الحرب، ما أثر على حاستي السمع والبصر لديه، مع تعذر حصوله على العلاج اللازم بسبب الأوضاع الصحية والإنسانية المتدهورة في القطاع.
وقال المخرج محمد الصواف لصحيفة "فلسطين" إن الفوز بالجائزة يمثل اعترافًا دوليًا بقدرة الفلسطينيين على رواية قصصهم وإيصال أصواتهم إلى العالم رغم كل التحديات، مضيفًا أن الفيلم نجح في جعل الإنسان الفلسطيني حاضرًا أمام الرأي العام العالمي، ومواجهة محاولات اختزال معاناته في أرقام وعناوين إخبارية عابرة.
وأوضح الصواف أن الرسالة الأساسية للفيلم تتمثل في تجاوز الصور التقليدية للحرب، والتركيز على الإنسان وقصته، مؤكدًا أن وراء كل رقم في نشرات الأخبار حياة كاملة وأسرة وأحلامًا تستحق أن تُروى.
واختار فريق العمل قصة التوأمين لأنها تجسد معاناة آلاف العائلات الفلسطينية التي فرقتها الحرب، حيث وُلدا في زمن الحرب ولم يعرفا حياة خارجها، بينما حالت الظروف الأمنية والحواجز دون لقائهما بوالدتهما لفترة طويلة.
وجاء إنتاج الفيلم في ظروف استثنائية، إذ تعرض مقر العمل للقصف خلال الأسبوع الأول من الحرب، وفُقدت معظم المعدات والأدوات، فيما واصل الفريق التصوير بما تبقى لديه من كاميرات ووسائط تخزين، رغم ما تعرض له أفراده من نزوح وفقدان ومعاناة شخصية.
ولم تكن المأساة بعيدة عن الصواف نفسه، إذ استشهد 47 فردًا من عائلته في قصف إسرائيلي، وكان الناجي الوحيد من ذلك الاستهداف الذي أصيب خلاله في ظهره. ورغم إصابته وفقدانه هذا العدد الكبير من أقاربه، أصر على استكمال المشروع فور تمكنه من العودة إلى العمل.
وقال: "صناعة الفيلم كانت واجبًا أخلاقيًا ومهنيًا. إذا لم نروِ قصصنا الآن، فمتى سنرويها؟ كنا نبحث عن الطعام لأطفالنا، وفي الوقت نفسه نحاول الحفاظ على الكاميرا لتوثيق ما يحدث".
ويتميز "توأما غزة.. عودا إليّ" عن كثير من الأعمال التي تناولت الحرب بأنه يركز على أثرها في العلاقات الإنسانية والعائلية أكثر من تركيزه على مشاهد الدمار، معتمدًا أسلوب "الكاميرا المفتوحة" الذي يراقب تفاصيل الحياة اليومية للشخصيات على مدى زمني طويل، ما منحه صدقًا وقوة عاطفية لامست جمهورًا واسعًا حول العالم.
ويؤكد صناع الفيلم أن رسالتهم تتجاوز حدود الشاشة، فغزة ليست مجرد قصة تستدعي التعاطف، بل مأساة يعيشها بشر حقيقيون يستحقون العدالة والإنصاف. ويهدي فريق العمل هذه الجائزة إلى أبطال الفيلم، وإلى اثنين من أفراد الطاقم استشهدا خلال الحرب، بينما يواصل الآخرون حياتهم وسط الظروف القاسية التي يعيشها القطاع.
ومع استمرار رحلته في المهرجانات الدولية، يواصل صُنّاع الفيلم العمل على مشاريع سينمائية جديدة، في محاولة لإبقاء الرواية الفلسطينية حاضرة، ونقل قصص الناس الذين يواجهون الحرب بالأمل والإرادة والحياة.