تتفاقم معاناة مرضى السرطان والأمراض المزمنة من قطاع غزة المقيمين في الضفة الغربية، في وجود أزمة مالية متصاعدة تضرب المنظومة الصحية الفلسطينية، وتنعكس مباشرة على ملف التحويلات الطبية وتوفير الأدوية مرتفعة التكلفة، ولا سيما علاجات الأورام والهرمونات الوريدية التي لا بدائل علاجية لها.
وترتبط هذه الأزمة بتعثر التحويلات المالية المخصصة للقطاع الصحي، في وجود الضائقة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، إلى جانب استمرار الاقتطاعات والتأخير في تحويل أموال المقاصة، وهي الإيرادات الضريبية التي تجبيها "إسرائيل" على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية قبل تحويلها إلى السلطة، والتي تتعرض في أحيان كثيرة للاقتطاع أو التأخير لأسباب سياسية ومالية.
وقد انعكس هذا التعثر بشكل مباشر على قدرة وزارة الصحة على تسديد مستحقات المستشفيات المتعاقدة وتوفير بعض الأدوية الأساسية، ما أدى إلى تراكم الديون على القطاع الصحي وحدوث نقص أو انقطاع في عدد من العلاجات، خصوصًا أدوية الأورام والعلاجات الهرمونية الوريدية.
ويُعد المستشفى الأهلي في الخليل من أبرز المراكز التي تستقبل مرضى غزة المحوّلين للعلاج، لا سيما الحالات التي تحتاج إلى أدوية غير متوفرة داخل القطاع. إلا أن تعثر التمويل وتراكم المستحقات أدّيا إلى نقص أو انقطاع في بعض العلاجات الأساسية، ما وضع المرضى أمام حالة انتظار مرهقة بين استمرار العلاج وتوقفه المفاجئ.
في هذا السياق، تعيش جملات الديري وهزار الجزار تجربة قاسية مع المرض والاغتراب، بعدما تحول العلاج الذي كان يُقدَّم بشكل منتظم لسنوات إلى جرعات متقطعة، ثم إلى انقطاع شبه كامل، في ظل غياب بدائل حقيقية.
معركة مع المرض وانقطاع العلاج
وتخوض الديري معركتها مع سرطان الغدة منذ نحو عشرة أعوام، وتعتمد على علاج هرموني وريدي دائم بعد أن أثبتت الفحوصات عدم استفادة جسدها من العلاج الفموي.
وتقول الديري لصحيفة "فلسطين": "أتلقى العلاج منذ سنوات طويلة، لكنني لم أحصل على أي جرعة منذ أكثر من عشرين يومًا".
وتوضح أن الجرعات كانت تتناقص تدريجيًا قبل أن تتوقف بشكل كامل، ما أدى إلى عودة الأعراض بشكل متسارع، بينها تورم الجسم وصعوبة البلع والحركة، إضافة إلى صداع دائم وضعف في الذاكرة والتركيز.
وتضيف: "أصبح جسدي أضعف بكثير، وأشعر أن المرض يعود بسرعة كلما توقف العلاج".
وتشير إلى أن تقاريرها الطبية تحذر من مضاعفات خطيرة في حال استمرار الانقطاع، قد تصل إلى فقدان الوعي أو الدخول في غيبوبة نتيجة اضطراب الهرمونات.
ورغم حصولها على تحويلات طبية رسمية، فإن المشكلة الأساسية، كما تقول، تكمن في عدم توفر العلاج داخل المستشفى.
وتضيف: "التغطية الطبية موجودة، لكن الدواء غير متوفر".
وتعيش الديري في سكن مخصص لمرضى غزة في الضفة الغربية، بينما تقيم عائلتها داخل القطاع في ظروف نزوح قاسية، ما يضاعف شعورها بالعزلة.
وتقول: "أنا عالقة بين نارين، لا علاج هنا ولا علاج هناك، ولا أستطيع العودة إلى غزة لأن الدواء غير متوفر".
وجع يتجاوز المرض
أما هزار الجزار، فتعيش معاناة لا تقل قسوة، بعدما وجدت نفسها بعيدة عن أبنائها في قطاع غزة، وفي الوقت نفسه مهددة بفقدان العلاج الذي تعتمد عليه للبقاء.
تعاني الجزار من سرطان الغدة الدرقية ومضاعفات مزمنة، وتتلقى علاجًا هرمونيًا وريديًا منذ أكثر من ثماني سنوات، بعد أن أثبتت الفحوصات إصابتها بسوء امتصاص يمنع استفادتها من الأقراص الفموية.
وتقول لـ"فلسطين": "لم يعد جسدي يستفيد من العلاج الفموي، والعلاج الوريدي هو الخيار الوحيد لاستمرار حياتي".
لكن هذا العلاج بات مهددًا بالتوقف خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل عدم انتظام توفر الأدوية، رغم الحاجة اليومية إليه.
وتضيف: "إذا لم أحصل على العلاج ينتفخ جسمي، ويتغير صوتي، ولا أستطيع الحركة".
وتبلغ تكلفة الجرعة الواحدة نحو 820 شيقلًا يوميًا، وهو مبلغ يفوق قدرتها المالية في ظل الأزمة الحالية وتراجع القدرة على تغطية النفقات الطبية.
لكن مأساة الجزار تتجاوز المرض إلى وجع الفقد؛ فقد استشهد زوجها عام 2025، وتتحمل مسؤولية أبنائها داخل قطاع غزة، حيث يعاني أحدهم من السرطان، فيما أصيب ابنها الآخر بشلل نتيجة شظية في النخاع الشوكي خلال الحرب، إضافة إلى إصابة ابنتها في حادث خطير داخل المنزل.
وتقول: "أبنائي في غزة هم أكبر همومي، لكنني لا أستطيع العودة إليهم لأن العلاج غير متوفر هناك".
وتجد نفسها بين خيارين قاسيين: البقاء بعيدًا عن أبنائها أو العودة إلى غزة حيث ينقطع الدواء.
وتضيف: "نحن حالتان فقط نعتمد على هذا العلاج مدى الحياة، وانقطاعه يعني خطرًا مباشرًا على الحياة".
تتقاطع قصتا الديري والجزار في مشهد واحد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها مرضى السرطان من غزة في الضفة الغربية، حيث لم يعد المرض وحده تهديدًا للحياة، بل أصبح انقطاع العلاج جزءًا من معركة يومية للبقاء.
وفي المستشفى الأهلي بالخليل، تتكرر المشاهد ذاتها: مرضى ينتظرون جرعات غير مضمونة، وقلق يتصاعد مع كل يوم يمر دون علاج، في ظل أزمة مالية خانقة، وانعكاسات مباشرة لتعثر تحويل أموال المقاصة على تمويل القطاع الصحي وتوفير الأدوية الحيوية.