هربت أسيل محمد عميرة (30 عامًا) من حرب السودان بحثًا عن الأمان، حاملة طفليها الصغيرين، بعد رحلة برية قاسية انتهت بوصولها إلى قطاع غزة في 3 مايو/أيار 2023، لتبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة، لم يكن أقل قسوة من الذي فرّت منه، بل تحول إلى حياة معلّقة بين حربين وإغلاق المعابر.
لم تمضِ سوى خمسة أشهر على استقرارها في بيت عائلتها بحي الدرج وسط مدينة غزة، حتى اندلعت الحرب الإسرائيلية على القطاع، لتجد نفسها مجددًا أمام القصف والنزوح والتشرد، في واقع إنساني معقد تعيشه منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، دون أن تتمكن من السفر إلى زوجها الذي بقي في السودان.
تعيش أسيل اليوم مع طفليها راوية (7 سنوات) وجاسر (3 سنوات ونصف السنة) فوق سطح منزل العائلة، داخل خيمة بسيطة نصبتها لهم الأسرة. وبينما تحاول التمسك بأمل اللقاء، تحتفظ بصور قديمة لعائلتها قبل السفر من السودان، يظهر فيها زوجها يحتضن طفلهما الرضيع آنذاك، قبل أن تتشتت العائلة بين بلدين وحربين.
رحلة من الخرطوم إلى غزة
تعود بداية القصة إلى سبتمبر/أيلول 2018، حين سافرت أسيل إلى السودان وتزوجت هناك، ورزقت بطفلين، واستقرت مع زوجها حتى اندلاع الحرب السودانية في منتصف أبريل/نيسان 2023.
تقول أسيل لصحيفة "فلسطين": "عندما بدأت الحرب في السودان، كانت الانفجارات من حولنا، وعشنا أسبوعين من الخوف الشديد. ومع بدء إجلاء الرعايا، قرر زوجي أن نغادر إلى غزة عبر مصر".
وتضيف أن زوجها، وهو من قطاع غزة ويحمل الجنسية السودانية، بقي في السودان بينما غادرت هي مع أبنائها وأفراد من عائلته ضمن رحلة إجلاء جماعية.
وتتابع: "خرجنا من الخرطوم في باصات، وكانت الرحلة صعبة وخطيرة، خاصة أننا كنا في مناطق سيطرة الدعم السريع. كنا نخشى التعرض للسرقة أو القتل".
وتصف تفاصيل الرحلة: "نمنا على الطريق في برد شديد، تغطينا بملابسنا داخل الحقائب، ولم نستطع النوم. وبعد أيام وصلنا إلى مصر ثم إلى غزة، في رحلة استمرت أربعة أيام حتى وصلنا في 3 مايو 2023".
وتشير إلى أن الحياة في السودان قبل المغادرة كانت تتدهور بسرعة: "المحال أُغلقت، والناس كانت تعاني للحصول على الطعام، وبدأت أخبار السرقة والاعتداءات تنتشر، فكان قرار المغادرة صعبًا لكنه ضروري".
حياة معلّقة بين الحربين
كانت أسيل تأمل أن تكون إقامتها في غزة مؤقتة ريثما تستقر أوضاع زوجها في السودان، لكنها وجدت نفسها عالقة بسبب إغلاق المعابر واستمرار الحرب على القطاع.
وتقول: "كنت سعيدة لأنني عدت لرؤية عائلتي بعد سنوات، لكنني لم أتخيل أنني سأبقى عالقة كل هذه السنوات دون أن أستطيع السفر إلى زوجي".
وخلال الحرب على غزة، تعرض منزل عائلتها في منطقة المغراقة جنوب المدينة للتدمير، لتبدأ رحلة نزوح جديدة بين مناطق مختلفة داخل القطاع، وسط القصف والمجاعة.
وتضيف: "عشنا القصف أكثر من مرة، ونزحنا من بيت إلى آخر. حتى الطعام كان شحيحًا جدًا، وفي بعض الأيام كان الخبز هو كل ما نملكه".
وتشير إلى أنها فقدت خلال الحرب أقارب وأصيب آخرون، بينهم خالها الذي استشهد إثر استهداف مركبة قرب منزل نزوحها، إضافة إلى إصابات في صفوف عائلة زوجها.
ورغم أنها عاشت حربين، تؤكد أن ما يجري في غزة كان الأصعب: "حرب السودان كانت قاسية جدًا، فيها قتل ونهب واغتصابات، لكن الإبادة في غزة كانت أكثر قسوة لأنها مستمرة بلا نهاية واضحة".
لقاء مؤجل وأمل لا ينقطع
تنتظر أسيل فتح معبر رفح للسفر إلى زوجها ولمّ شمل العائلة، بينما يعيش زوجها بدوره حالة شوق وانتظار مماثلة.
وتحاول الأم التخفيف عن طفليها عبر صور مصممة بالذكاء الاصطناعي تجمع العائلة في مشهد واحد، كبديل مؤقت عن واقع الغياب.
لكن الأسئلة اليومية من طفليها تزيد من ألم الانتظار، خاصة طفلها جاسر الذي يسأل عن والده: "ليش ما بتاخدني على الدكان زي الأولاد؟".
وتقول أسيل: "أحاول أن أقرّبه من والده عبر الهاتف، وأقول له هذا بابا، وأحيانًا نخلق صورًا تجمعنا عبر الذكاء الاصطناعي لنتخيل شكل اللقاء".
وتعيش العائلة في خيمة فوق سطح المنزل، في ظروف صعبة لا تسمح حتى بنوم الأطفال بسبب الحر والحشرات ولسعات البعوض.
وتختتم أسيل حديثها بأمل بسيط: "نريد فقط أن تنتهي هذه المعاناة، وأن تتحول الوعود إلى واقع، وأن نجتمع كعائلة من جديد".
وبحسب تقديرات إنسانية، فإن مئات العائلات في غزة تحمل الجنسية السودانية، وتبقى عالقة بين الإجلاء المتعثر وإغلاق المعابر، فيما تعيش مئات الأمهات والأطفال في حالة انتظار قاسية لفرصة لمّ الشمل.