يواجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أزمة سياسية وشخصية غير مسبوقة، تتداخل فيها الإخفاقات العسكرية مع الانقسامات الداخلية والضغوط الشعبية والقضائية.
فبعد سنوات من تقديم نفسه باعتباره الضامن لأمن إسرائيل، بات اليوم هدفًا لانتقادات واسعة من قادة عسكريين سابقين ومحللين إسرائيليين ووسائل إعلام عبرية تتهمه بالفشل في إدارة الحرب وعجزه عن تحقيق الأهداف التي أعلنها منذ بدايتها.
وبالرغم من مرور مدة طويلة على الحرب، ما زالت إسرائيل عاجزة عن تحقيق صورة “النصر الحاسم” التي وعد بها نتنياهو. كما تتواصل الانتقادات بشأن ملف الأسرى، واستمرار الاستنزاف العسكري والأمني على أكثر من جبهة، إلى جانب التراجع المتزايد في صورة إسرائيل الدولية.
بات نتنياهو يخوض معركة بقاء سياسي أكثر من خوضه معركة لتحقيق أهداف إستراتيجية لدولة الاحتلال.
وتزداد تعقيدات المشهد مع استمرار محاكمات نتنياهو في قضايا الفساد، وتصاعد الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، واتساع رقعة الاحتجاجات المطالبة بتحميل المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي كشفتها أحداث السابع من أكتوبر.
وتجمع تقديرات إسرائيلية عديدة على أن أي توقف للحرب أو انتقال إلى مرحلة سياسية جديدة قد يفتح الباب أمام لجان تحقيق ومحاسبة قد تنهي مستقبل نتنياهو السياسي.
في المقابل، تبرز مخاوف فلسطينية حقيقية من أن يلجأ نتنياهو إلى تصدير أزماته الداخلية نحو غزة عبر مزيد من التصعيد وإراقة الدماء. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الحكومات الإسرائيلية غالبًا ما استخدمت الحروب والتوترات الأمنية للهروب من أزماتها السياسية الداخلية وإعادة توحيد الجبهة الداخلية خلف القيادة الحاكمة.
ومن هنا، فإن استمرار العدوان والخروقات العسكرية والحصار المفروض على قطاع غزة لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية التي تحكم سلوك حكومة الاحتلال. فكلما ازدادت الضغوط على نتنياهو، تزداد احتمالات اللجوء إلى التصعيد العسكري باعتباره وسيلة لإطالة عمر حكومته وتأجيل استحقاقات المحاسبة الداخلية.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق نتنياهو وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي ما زال عاجزًا عن اتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين.
فالاكتفاء ببيانات القلق والإدانة لم يعد كافيًا أمام استمرار الجرائم والمعاناة الإنسانية.
أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم هو أن تتحول أزمات نتنياهو الشخصية والسياسية إلى وقود لمزيد من الدم الفلسطيني. ولذلك فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على الدعوة إلى التهدئة، بل تشمل العمل الجاد لوقف العدوان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع استخدام حياة المدنيين ومستقبلهم أداة للهروب من الأزمات السياسية الداخلية في إسرائيل.