لم يتوقف مشهد القصف وجنازات التشييع يومًا واحدًا في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بفعل التصعيد الإسرائيلي المتواصل الذي لم يمنح السكان هدنة حقيقية من القتل. وظل شلال الدم ينزف في مختلف أنحاء القطاع وسط صمت دولي إزاء الخروقات الإسرائيلية المستمرة للاتفاق.
وعلى الرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 خفّض معدلات القتل اليومية، فإنه لم يوقفها. وفي أكبر خرق للاتفاق، بلغ عدد الشهداء منذ توقيعه وحتى اليوم 1012 شهيدًا، بينهم 255 طفلًا و109 نساء. فمَن احتفى بالاتفاق عند توقيعه، عاد لاحقًا ليشيّع أحبته، في دليل على هشاشة الاتفاق وعجزه عن وقف آلة القتل.
عاد الحكيم محمد موسى الهبيل (38 عامًا)، يوم الاثنين 15 يونيو/حزيران 2026، من عمله في قسم الطوارئ بمستشفى الشفاء، ليواصل دورًا آخر في خدمة الناس داخل حي أبو إسكندر شمال مدينة غزة، حيث كان يشارك في إيصال المياه إلى نحو 400 عائلة، في محاولة لتعزيز صمود السكان الذين أنهكتهم العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة وأتت على عدد كبير من منازلهم.
مشهد إنساني واضح
على سطح المنزل، كان الهبيل يتابع إيصال المياه، وبجواره أطفال أشقائه يلهون في بركة صغيرة. غادر الأطفال المكان، فيما بقي طفله موسى (5 أعوام) متشبثًا بوالده الذي لم يره منذ ساعات الصباح بسبب عمله. كان المشهد الإنساني واضحًا لطائرة إسرائيلية مسيّرة كانت تحلق في الأجواء، إلا أن ذلك لم يمنعها من إطلاق صاروخ مباشر نحوهما، لتختلط دماؤهما بالمياه.
يروي شقيقه رامي الهبيل، الذي كان في المنزل لحظة الانفجار، لصحيفة "فلسطين": "كنا نتشارك في هذه المبادرة. كنت قد أنهيت مناوبتي في إيصال المياه، وعندما عاد محمد من عمله في المستشفى واصل المهمة. بعد الانفجار صعدت إلى السطح فوجدته مضرجًا بدمائه وقد استشهد على الفور، أما طفله فكان لا يزال يتنفس، فحملته إلى المستشفى لكنه استشهد أيضًا".
وأضاف: "طوال فترة الحرب نشغّل البئر ونوفر المياه لأكثر من 400 عائلة، أي ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة في أربع مربعات سكنية. في يومه الأخير أدى واجبه المهني تجاه المرضى والمصابين، وواجبه الإنساني تجاه الأهالي، وحتى قبل يوم من استشهاده كان يعمل على تمديد خط مياه إلى بناية مرتفعة وكاد يسقط منها".
وخلال شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، صعّد الاحتلال من خروقاته وقصفه، وسقط مزيد من الشهداء نتيجة الغارات المتواصلة التي لم تتوقف حتى خلال أيام العيد.
وفي ثالث أيام عيد الأضحى، كان الصحفي مؤمن قريقع، مبتور القدمين، يشيّع شقيقه سالم، أحد أفراد طواقم الدفاع المدني، الذي استشهد في قصف إسرائيلي استهدف فناء منزل بشارع الوحدة وسط مدينة غزة، أثناء جلوسه مع أحد جيرانه وأطفال كانوا يلهون على أرجوحة قريبة.
وبقلب مكلوم، قال قريقع لصحيفة "فلسطين": "كان أخي يجلس مع الجيران أمام المنزل المستأجر، وأطفال صاحب المنزل كانوا يلعبون بالقرب منهم، لكن الاحتلال استهدف المكان، وهذا ديدنه في استهداف الأطفال والمدنيين".
واستحضر آخر لحظاته مع شقيقه قائلًا: "زارني صباح العيد وتناولنا الإفطار معًا، ثم خرجنا لمعايدة شقيقاتنا وعماتنا. كان سالم معروفًا بالإصلاح بين الناس والسعي في أعمال الخير، كما سبق أن أصيب أثناء عمله مع الدفاع المدني في إنقاذ المصابين، وتنقل بين فرق الإنقاذ والدعم اللوجستي".
وقبل ساعات من استهدافه، أرسل سالم رسالة هاتفية إلى شقيقه يسأله فيها عن قصف وقع قرب ساحة الشوا شرق مدينة غزة، دون أن يعلم أنه سيكون الهدف التالي.
واستشهد عشرات الفلسطينيين برصاص الرافعات العسكرية وطائرات "كواد كابتر"، إضافة إلى عمليات التمشيط الصباحية والليلية التي ينفذها جيش الاحتلال بشكل مكثف قرب المناطق المحاذية للخط الأصفر، ما أدى إلى استشهاد أطفال أثناء نومهم أو في طريقهم إلى النقاط التعليمية.
نامت الطفلة همسة حوسو (11 عامًا)، من منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا، وهي تحلم بالعودة إلى دراستها في النقطة التعليمية القريبة من منزلها مع عودة الحياة تدريجيًا إثر وقف إطلاق النار.
استيقظت والدتها عند السادسة صباحًا على صراخها: "ماما.. سقعانة". حاولت تغطيتها، لكنها صُدمت بدماء تنزف من أذنيها وأنفها وفمها، بعدما اخترقت رصاصة إسرائيلية الشادر الذي استُخدم بدلًا من الجدران المدمرة، وأصابت كتف الطفلة واستقرت في صدرها، مسببة نزيفًا قاتلًا.
تقلبت الطفلة بين يدي والدتها العاجزة عن إنقاذها، قبل أن تُنقل إلى المستشفى جثة هامدة.
أطفال تحت القصف
وبالطريقة ذاتها، لم يبتعد الطفلان سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا) سوى عشرات الأمتار عن منزلهما قرب مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، أثناء جمع الحطب لإعداد الطعام، حين استهدفتهما طائرة "كواد كابتر" بقنبلة في 24 يناير/كانون الثاني 2026، ما أدى إلى استشهادهما.
وجاءت الجريمة بعد يوم واحد فقط من ترويج جيش الاحتلال لمشهد دعائي ادعى فيه أن جنودًا قدموا الماء والطعام لطفلين فلسطينيين قرب الخط الأصفر، لتنسف جريمة قتل الطفلين تلك الرواية بالكامل.
وفي قصة أخرى، وبعد انتهاء الحصص الدراسية ظهر يوم 8 يونيو/حزيران 2026، عاد الطفل جاد يوسف سليمان (8 أعوام) من مدرسته التي تبعد نحو 200 متر عن منزله، ومرّ بورشة والده لصيانة أجهزة الإنارة والطاقة، فاستراح قليلًا وقبّل يد والده الذي اشترى له عصيرًا باردًا. وبعد دقائق، دوى انفجار نتيجة استهداف مجموعة من المارة، فاستشهد الطفل واختلطت كتبه ودفاتره وحقيبته المدرسية بدمائه.
وفي مشهد مؤلم داخل مشرحة مستشفى الشفاء، وقف والده يحتضن حقيبته المدرسية، مرددًا بصوت متقطع: "ابني جاد راح".
ويؤكد مستشار المكتب الإعلامي الحكومي تيسير محيسن أن تجاوز عدد الشهداء حاجز الألف منذ توقيع الاتفاق يعكس حجم الانتهاك الإسرائيلي والاستهتار بالاتفاق، وفشل الوسطاء والإدارة الأمريكية في إلزام الاحتلال بوقف القتل والدمار.
وقال لصحيفة "فلسطين": "تحدى الاحتلال الإرادة الدولية التي ساهمت في صناعة الاتفاق. هؤلاء الشهداء يشكلون شاهدًا إضافيًا على طبيعة هذا الاحتلال الذي لا يلتزم بالاتفاقات، كما يكشفون عجز المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته، فيما تواصل الإنسانية إغماض عينيها أمام الجرائم المرتكبة بحق شعبنا".