فلسطين أون لاين

إصابة مزدوجة تعيد تشكيل حياة عائلة مطر وسط نقص العلاج وإغلاق فرص السفر

...
الشاب معاذ يوسف مطر
غزة/ هدى الدلو:

لم تكن الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل في 31 مايو/أيار 2024، حين كان الشاب معاذ يوسف مطر (26 عامًا) وعائلته يغطّون في نوم متقطع داخل منزلهم في المخيم الجديد بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة. كانت ليلة أخرى من ليالي الحرب الثقيلة، يسودها هدوء هشّ لا يعكس ما يختبئ خلفه من احتمالات الموت، قبل أن يتحول ذلك الصمت فجأة إلى مأساة غيّرت حياة الأسرة إلى الأبد.

في لحظة خاطفة، استهدف قصف إسرائيلي المنزل المجاور، فتطايرت الشظايا في كل اتجاه، واخترقت جدران البيوت وأجساد ساكنيها. أصيب معاذ ووالدته إصابات بالغة في أثناء نومهما، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والعلاج والانتظار، عنوانها الأكبر: فقدان القدرة على الحركة كما كانا يعرفانها.

يستعيد والد معاذ تفاصيل تلك الليلة بصوت مثقل بالوجع، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "لصعوبة الوضع لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إلينا، فحملنا معاذ ووالدته وسرنا بهما على الأقدام لمسافة تقارب كيلومترين. كانت الإصابات خطيرة، والوقت يمر ببطء شديد، حتى تمكنت سيارة إسعاف من الوصول ونقلهما إلى مستشفى العودة".

لكن طريق النجاة لم يكن أقل قسوة من لحظة الإصابة نفسها. فبعد وصولهما إلى مستشفى العودة، جرى تحويلهما بشكل عاجل إلى مستشفى الأقصى، نظرًا لخطورة الحالة وكثافة الإصابات الوافدة في تلك الفترة، حيث كانت المنظومة الصحية في قطاع غزة تعمل تحت ضغط غير مسبوق بفعل الحرب واستهداف المستشفيات ونقص الإمكانات.

ويقول الأب: "أُجريت العملية الجراحية لمعاذ أولًا، وكان وضعه حرجًا جدًا. أصيب في ساقيه إصابة بالغة انتهت ببتر مزدوج من فوق الركبتين. لم نكن نصدق ما حدث، لكن الصدمة الأكبر كانت أننا كنا ما زلنا ننتظر مصير والدته".

وبقيت والدة معاذ لساعات طويلة تنزف قبل دخولها غرفة العمليات، في ظل اكتظاظ شديد بالمصابين ونقص في غرف العمليات والطواقم. ويشير الأب إلى أنها انتظرت منذ الواحدة بعد منتصف الليل حتى التاسعة صباحًا، قبل أن تبدأ محاولات إنقاذ ساقها، التي استمرت أيامًا، لكن دون جدوى، لتنتهي حالتها أيضًا ببتر ساقها من فوق الركبة.

WhatsApp Image 2026-06-19 at 11.11.36 PM.jpeg
 

المشهد داخل مستشفى الأقصى، كما يصفه الأب، كان أقرب إلى كارثة إنسانية مفتوحة: "أعداد هائلة من الجرحى، والممرات ممتلئة، والأطباء يعملون فوق طاقتهم. لم أجد مكانًا لابني أو زوجتي، وكنت أتنقل بين الأقسام بحثًا عن أي مساحة آمنة لهما".

هذه المشاهد لم تكن معزولة، بل جاءت في سياق انهيار واسع للمنظومة الصحية في قطاع غزة خلال الحرب، حيث استقبلت المستشفيات آلاف الإصابات خلال فترات قصيرة، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعطل كثير من الخدمات التخصصية، خصوصًا في مجال الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل.

ومع استمرار تدهور الأوضاع الصحية، نُقل معاذ ووالدته إلى المستشفى البريطاني الميداني، حيث قضيا نحو شهرين تحت الرعاية الطبية، قبل أن يُحوّلا لاحقًا إلى مستشفى ناصر الطبي، حيث استمرا هناك قرابة ثلاثة أشهر إضافية في رحلة علاج طويلة ومعقدة، تخللتها عمليات متابعة وتأهيل أولي.

وبال من رغم مرور نحو عامين على الإصابة، لا يزال الاثنان يواجهان واقعًا صحيًا معقدًا، إذ يحمل كل منهما تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أن إجراءات السفر ما زالت متوقفة، وسط قوائم انتظار طويلة وقيود مشددة على خروج المرضى.

ويقول الأب بحسرة: "وضع معاذ معقد جدًا، فهو يعاني من بتر مزدوج فوق الركبة، ولا تتوفر في غزة الإمكانيات اللازمة لتركيب أطراف صناعية مناسبة لحالته. أما والدته، فبعد جلسات العلاج الطبيعي وقياسات الطرف الصناعي، ما زالت تنتظر دون نتيجة، رغم الوعود المتكررة".

لم تتوقف آثار الإصابة عند حدود الجسد، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسرة. فالأم، التي كانت تدير شؤون البيت وترعى العائلة، أصبحت بحاجة إلى رعاية ومساعدة دائمة، فيما وجد معاذ نفسه ينتقل من موقع الابن البكر والسند العائلي إلى موقع من يحتاج إلى الدعم المستمر.

ويشير الأب إلى أن التغير لم يكن جسديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، مضيفًا: "تبدلت حياتنا بالكامل. أصبح لدينا شخصان يحتاجان إلى رعاية دائمة. نحاول التأقلم، لكن الألم النفسي لا يقل قسوة عن الإصابة نفسها".

ويختتم حديثه قائلًا: "كل ما نتمناه اليوم هو أن يحصل معاذ وزوجتي على فرصة للعلاج خارج غزة، وأن يستعيدا جزءًا من حياتهما التي سُلبت منهما في لحظة واحدة"

المصدر / فلسطين أون لاين