تواجه المنظومة المصرفية الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات النقدية والمالية في تاريخها الحديث، في وجود سياسات إسرائيلية متناقضة ظاهريًا، لكنها تلتقي عند هدف واحد يتمثل في إحكام السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني، وإضعاف قدرته على الصمود.
ففي الوقت الذي تمنع فيه سلطات الاحتلال سحب فائض الشيكل المتراكم في البنوك الفلسطينية بالضفة الغربية، تفرض حصارًا نقديًا خانقًا على قطاع غزة عبر منع إدخال السيولة النقدية بشكل كامل، ما أوجد واقعًا اقتصاديًا مشوهًا تتجاور فيه تخمة الأموال المعطلة مع ندرة النقد الحادة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه السياسة المزدوجة تمثل أحد أوجه الحرب الاقتصادية المستمرة على الفلسطينيين، إذ تجمع بين أدوات السيطرة المالية والضغوط السياسية والعقوبات الجماعية، ما أدى إلى اختلالات عميقة في النظام المصرفي وانعكاسات مباشرة على النشاط التجاري والمعيشي للمواطنين.
وفي الضفة الغربية تتجلى الأزمة في رفض البنك المركزي الإسرائيلي استقبال أو سحب فائض السيولة النقدية من عملة الشيكل المتراكمة لدى البنوك الفلسطينية. وقد تجاوز حجم الأموال المكدسة حاجز 10 مليارات شيكل، نتيجة التدفقات الطبيعية الناجمة عن أجور العمال الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة والتبادل التجاري القائم.
إلا أن سلطات الاحتلال تفرض سقفًا صارمًا لا يتجاوز 4.5 مليارات شيكل كل ثلاثة أشهر لسحب هذه الفوائض، الأمر الذي حوّل الأموال إلى عبء مالي وأمني على المصارف الفلسطينية.
اقرأ المزيد: بعد 1000 يوم من الحرب.. الزراعة في غزة بين الركام وشبح الانهيار الشامل
اقرأ المزيد: أزمة اقتصادية خانقة في غزة… تحذيرات من انهيار شامل ومطالبات عاجلة برفع الحصار
وباتت البنوك تتحمل تكاليف مرتفعة للتخزين والتأمين والحراسة، فيما تراجعت قدرتها على استقبال إيداعات التجار أو توظيف جزء كبير من أصولها، حيث تشير التقديرات إلى تجميد ما بين 15% و20% من أصولها داخل الخزائن.
وفي المقابل، تطبق سلطات الاحتلال سياسة معاكسة تمامًا في قطاع غزة، حيث تمنع إدخال أي سيولة نقدية أو أوراق مالية جديدة، ما تسبب في حالة جفاف نقدي غير مسبوقة.
ويقدّر اقتصاديون حجم العجز في النقد الورقي الصالح للتداول بأكثر من 90% من احتياجات السوق الفعلية، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في الحركة الاقتصادية وتفاقم الأزمات الإنسانية والمعيشية الناجمة عن الحرب وتدمير البنية التحتية والمصرفية.
ويؤكد الاختصاصي الاقتصادي الدكتور نائل موسى أن رفض الاحتلال سحب فائض الشيكل من الضفة الغربية لا يمكن اعتباره إجراءً فنيًا أو إداريًا، بل يمثل سياسة ممنهجة لتوظيف الأدوات النقدية كوسيلة ضغط اقتصادي.
ويوضح أن هذه الإجراءات تربك عمل الجهاز المصرفي الفلسطيني وتحد من قدرته على أداء دوره في تمويل النشاط الاقتصادي وتوفير الائتمان، ما يؤدي إلى تباطؤ الحركة التجارية والاستثمارية ويدفع الأفراد والشركات نحو الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.
ويضيف موسى أن هذه القيود قد ترتبط أيضًا بمحاولات إسرائيلية لتقليص ما تسميه المخاطر المالية المرتبطة بالتدفقات النقدية، فضلًا عن استخدامها كورقة ضغط سياسية دائمة في علاقتها مع السلطة الفلسطينية.
شلل في المعاملات التجارية
أما في قطاع غزة، فيرى الاختصاصي الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس أن منع إدخال السيولة النقدية يمثل حلقة جديدة ضمن منظومة الحصار المفروض على القطاع، مشيرًا إلى أن هذه السياسة أدت إلى شلل شبه كامل في المعاملات التجارية والخدمية اليومية، حيث أصبحت أبسط العمليات المالية تواجه صعوبات كبيرة بسبب غياب النقد الورقي المتداول.
ويؤكد أبو الروس أن أزمة السيولة أفرزت تداعيات معيشية قاسية، إذ بات آلاف الموظفين والمواطنين عاجزين عن الوصول إلى رواتبهم ومدخراتهم، حتى وإن كانت متوفرة داخل حساباتهم البنكية. كما أسهمت الأزمة في نشوء سوق موازية للسحب النقدي، تُفرض فيها عمولات تتراوح بين 15% و25% للحصول على الأموال نقدًا، ما تسبب في تآكل الدخول وانخفاض القدرة الشرائية بنحو 75%، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
ويحذر مختصون من أن التناقض الظاهري في السياسات النقدية الإسرائيلية يفضي عمليًا إلى نتيجة واحدة تتمثل في تعميق الاختلالات الاقتصادية الفلسطينية. ففي حين تعاني الضفة الغربية من فائض نقدي معطل، يواجه قطاع غزة مجاعة نقدية تهدد مقومات الحياة الأساسية، الأمر الذي يفاقم الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين شطري الوطن ويضعف ثقة الجمهور والمستثمرين في استقرار وكفاءة الجهاز المصرفي الفلسطيني.
وأمام هذه التحديات المتفاقمة، يدعو خبراء الاقتصاد إلى تحرك دولي عاجل للضغط على سلطات الاحتلال من أجل إعادة تنظيم تدفق السيولة النقدية بشكل طبيعي، والسماح بإدخال الأموال اللازمة إلى قطاع غزة، بما يضمن الحد الأدنى من استمرارية النشاط الاقتصادي والإنساني.
كما يشدد المختصون على أهمية تسريع تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتعزيز التحول الرقمي في المعاملات المالية، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لتقليل الاعتماد على النقد الورقي. ويرون أن تنويع استخدام العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدينار الأردني والدولار الأمريكي، قد يشكل خطوة مهمة نحو الحد من التبعية المطلقة للشيكل الإسرائيلي، الذي بات أحد أبرز أدوات الضغط الاقتصادي المستخدمة ضد الفلسطينيين