فلسطين أون لاين

تحدّى محاولات طمس الهوية وحفظ ذاكرة الوطن في المنافي

عبد الكريم الزهراني.. حارس التراث الفلسطيني الذي حمل فلسطين في حقيبته

...
عبد الكريم الزهراني
غزة/ مريم الشوبكي:

لم يكن الباحث والمؤرخ الفلسطيني عبد الكريم عيد الزهراني مجرد جامعٍ للحكايات والأمثال الشعبية، بل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا كرّس أكثر من ستة عقود من عمره لحماية الذاكرة الفلسطينية من النسيان. حمل وطنه معه في رحلة لجوء طويلة امتدت عبر المنافي العربية، وجعل من توثيق التراث الشعبي الفلسطيني رسالة حياة، مؤمنًا بأن الحفاظ على الهوية والتاريخ شكلٌ من أشكال المقاومة في مواجهة محاولات الطمس والاقتلاع.

وُلد الزهراني عام 1947 في مدينة بئر السبع جنوبي فلسطين المحتلة، لكن طفولته لم تكتمل في مسقط رأسه؛ إذ هُجّرت أسرته عقب نكبة عام 1948 واستقرت في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، حيث عاش سنوات اللجوء الأولى بين الخيام التي تحولت لاحقًا إلى مساكن متواضعة من الصفيح وألواح الأسبستوس.

أنهى دراسته الثانوية في مدرسة بئر السبع الثانوية عام 1965، غير أن سنوات شبابه تزامنت مع أحداث مفصلية شهدتها الأراضي الفلسطينية. ومع احتلال قطاع غزة عام 1967 وما رافقه من مجازر في رفح وخان يونس، انخرط في العمل الوطني المقاوم، قبل أن يضطر إلى مغادرة القطاع بعد تعرض أسرته للملاحقة والضغط من الاحتلال، وفق ما يروي نجله أحمد الزهراني.

كانت رحلة الخروج شاقة وطويلة عبر النقب ثم الأردن ودمشق، لكنها شكّلت بداية مسار جديد؛ رحلة البحث عن فلسطين في ذاكرة أبنائها وحفظ موروثها الثقافي من الاندثار.

مشروع عمر لحفظ التراث

يقول أحمد الزهراني لصحيفة "فلسطين" إن رحلة والده في المنافي لم تكن مجرد تنقل فرضته ظروف اللجوء، بل تحولت إلى مشروع حياة كرّسه لحفظ التراث الفلسطيني وصون الذاكرة الشعبية.

ويضيف: "بعد تشتت الفلسطينيين في المنافي واختلاطهم بثقافات متعددة، شعر والدي بأن جزءًا كبيرًا من تراثنا مهدد بالضياع، فبدأ منذ سنوات شبابه يجوب القرى والمخيمات، ويلتقي كبار السن والرواة والمهتمين بالموروث الشعبي، حاملاً دفترًا صغيرًا ومسجلًا وأشرطة كاسيت، يدون ويسجل كل ما يسمعه من حكايات وأشعار وأهازيج وعادات وتقاليد".

ويتابع: "لم يكن يجمع المعلومات من أجل الكتابة فحسب، بل كان يعتبر توثيق التراث معركة وطنية لا تقل أهمية عن أي شكل من أشكال النضال، لأن الاحتلال يسعى دائمًا إلى طمس هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه".

Copilot_20260620_110929.png
 

ويشير أحمد إلى أن حياة والده في المنافي فتحت أمامه آفاقًا واسعة للاطلاع على ثقافات الشعوب المختلفة، إذ تنقل بين الأردن وسوريا والعراق ولبنان وليبيا والسعودية ومصر والجزائر وموريتانيا، وكان يعود محمّلًا بالكتب والأزياء الشعبية والمقتنيات التراثية التي تعكس ثقافات تلك البلدان.

ويقول: "كان شغوفًا بالمعرفة إلى حد بعيد، لا يرى كتابًا إلا ويسعى لاقتنائه، ولا صحيفة إلا ويحرص على قراءتها، وبذل جهدًا استثنائيًا في البحث عن المصادر والمراجع في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة متاحة كما هي اليوم".

بين النضال والمعرفة

ويستذكر أحمد المسيرة الأكاديمية لوالده، قائلًا: "كان متمكنًا من اللغة العربية منذ صغره، وذات مرة ناقش بعض طلبة جامعة دمشق في مسائل نحوية استعصت عليهم، فلفتت إجاباته انتباه أساتذتهم، ومن هناك التحق بقسم اللغة العربية في جامعة دمشق".

ويضيف: "كان أصدقاؤه يروونه دائمًا وهو يحمل بندقيته على كتفه وكتابًا في يده، فقد عاش حياته بين ساحات النضال وميادين المعرفة".

وبعد تخرجه في تخصص اللغة العربية والنحو، عمل في التدريس في ليبيا وسوريا، وقدم دروسًا لطلبة الجامعات، وشارك في برامج إذاعية وتلفزيونية، كما كتب في العديد من الصحف العربية.

ومع مرور السنوات، تحول شغفه بالتراث إلى مشروع بحثي متكامل، فأصدر عشرات الكتب والدراسات في التراث الشعبي الفلسطيني والعربي، من أبرزها: "فنون الأدب والطرب عند قبائل النقب"، و"الأسرة في المثل الشعبي الفلسطيني والعربي"، و"قضاء العرف والعادة"، و"قبائل وعشائر فلسطين"، و"معجم الألفاظ المحكية في البلاد العربية".

كما ألّف في الرواية والقصة والتاريخ والسير والتراجم وتفسير القرآن الكريم، وظل حتى سنواته الأخيرة منكبًا على البحث والكتابة والتأليف.

موسوعة تمشي على قدمين

ويؤكد أحمد أن والده استحق لقب "سادن التراث الشعبي الفلسطيني" عن جدارة، قائلاً: "كان موسوعة حقيقية. لم يكن هناك موضوع يتعلق بالعادات أو الأعراف أو الأمثال أو القبائل أو التراث الشعبي إلا وكانت لديه معرفة واسعة به".

ويضيف: "كان يؤمن بأن التراث الشعبي ليس مجرد ذكريات من الماضي، بل وثيقة تثبت أصالة الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه وتاريخه، ولذلك حرص على توثيق القرى والعائلات والقبائل والعادات والأمثال وكل ما يرتبط بالهوية الفلسطينية".

WhatsApp Image 2026-06-19 at 10.54.29 PM.jpeg
 

ولم تقتصر علاقته بالكتب على التأليف والبحث، بل أسس مكتبة ضخمة ضمت آلاف الكتب والمخطوطات والمراجع النادرة، وتحولت إلى مقصد للباحثين والدارسين. كما أسس في مخيم اليرموك بدمشق "مكتبة الأقصى"، التي حملت اسمًا يجسد حلمه الدائم بالعودة إلى فلسطين.

ويقول أحمد: "كانت خسارة مكتبته في مخيم اليرموك من أصعب المحطات التي مر بها، فقد دُمرت آلاف الكتب والمخطوطات التي أمضى سنوات طويلة في جمعها، لكنه لم يستسلم".

عودة مؤجلة وإرث خالد

ورغم عقود المنفى الطويلة، لم يفقد الزهراني الأمل بالعودة يومًا، وكان يردد دائمًا لأبنائه: "سنعود".

وبعد أكثر من نصف قرن في الشتات، عاد إلى قطاع غزة حاملًا ما استطاع إنقاذه من مكتبته ومخطوطاته، وبدأ من جديد في بناء مكتبته واستكمال مشاريعه الثقافية والبحثية.

ويقول نجله: "حتى أيامه الأخيرة لم يتوقف عن الكتابة، وبعد استشهاده عثرنا على أكثر من خمسة مؤلفات كانت قيد الإنجاز أو الطباعة، إلى جانب مخطوطات وأبحاث أخرى لم تكتمل".

WhatsApp Image 2026-06-19 at 10.54.28 PM.jpeg
 

وفي فجر الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد عبد الكريم الزهراني مع عشرة من أبنائه وأحفاده أثناء أدائهم صلاة الفجر، لتنتهي رحلة حافلة امتدت لأكثر من ستين عامًا قضاها بين النضال والبحث والتوثيق.

ويختم أحمد حديثه قائلاً: "رحل والدي جسدًا، لكن إرثه ما زال حاضرًا في كتبه ومؤلفاته ومخطوطاته. كان يؤمن بأن العلم سلاح الأمم، وأن الحفاظ على التراث واجب وطني، ولذلك سنواصل ما بدأه حتى تبقى الذاكرة الفلسطينية حية في وجدان الأجيال القادمة"

المصدر / فلسطين أون لاين