على مدار عام كامل، لم تغب صورة الشاب يوسف الحسومي عن ذاكرة والدته علياء، التي ما زالت تعيش على أملٍ معلّق بين روايات متضاربة وأسئلة بلا إجابة، دون أن تقودها كل محاولات البحث إلى حقيقة واحدة حاسمة: أين يوسف؟
في 15 يونيو/حزيران 2024، خرج يوسف الحسومي، الذي يبلغ اليوم 22 عامًا، بحثًا عن المساعدات الغذائية وسط الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها قطاع غزة. كانت تلك المرة الأولى التي يتوجه فيها إلى إحدى نقاط توزيع المساعدات، لكنها تحولت إلى اللحظة الأخيرة التي تراه فيها والدته.
تستعيد الأم تفاصيل ذلك الصباح وكأنه حدث بالأمس، قائلة: "خرج يوسف قرابة السادسة والنصف أو السابعة صباحًا. أخبره بعض الشبان بوجود شاحنة طحين، فذهب معهم. لم يكن وحده، بل خرج مع مجموعة من الشبان الذين كانوا يبحثون عن الطعام لأسرهم".
وتوضح لصحيفة "فلسطين" أن المنطقة القريبة من ما يُعرف بـ"الصالة الذهبية" شهدت بعد وقت قصير حالة من الفوضى وإطلاق نار كثيف عقب تجمع المواطنين في المكان.
وينقل شقيقه، الذي كان برفقته في اللحظات الأولى وعاد لاحقًا، تفاصيل ما جرى: "بعد دقائق من وصولنا بدأ إطلاق نار كثيف، كان المشهد مرعبًا، الغبار والدخان في كل مكان، ولم نعد نرى أحدًا. سقط شهداء وجرحى من حولنا، وفُقد يوسف وسط الفوضى".
ومنذ تلك اللحظة، انقطع أي أثر له، دون أن يعرف شقيقه إن كان قد أُصيب، أو اعتُقل، أو تمكن من المغادرة إلى مكان آخر.
وتقول والدته: "حتى الآن لا نعرف ماذا حدث له. لم يبلغنا أحد باستشهاده، ولم يصلنا أي دليل على اعتقاله. كل ما نملكه هو الانتظار".
رحلة بحث شاقة
لم تنتظر الأم طويلًا قبل أن تبدأ رحلة البحث بنفسها. ففي صباح اليوم التالي، توجهت إلى المنطقة التي فُقد فيها ابنها رغم المخاطر الأمنية.
وتروي: "ذهبت قرابة التاسعة صباحًا، لكنني لم أستطع الوصول. كانت القوات موجودة بكثافة، وأعادني بعض الشبان، وقالوا إن أبناءهم ما زالوا عالقين هناك، وإن الدخول خطر جدًا".
وتضيف أن محاولاتها للتواصل مع العائدين من المكان لم تسفر عن أي نتيجة، إذ لم يتمكن أحد من إعطائها معلومة مؤكدة عن مصير ابنها.
بعد أشهر من الاختفاء، تلقت العائلة رواية بدت وكأنها بصيص أمل؛ إذ أخبر أحد الأسرى المفرج عنهم أنه سمع اسم يوسف داخل أحد أماكن الاحتجاز.
وتقول الأم: "قال إنه سمع شابًا ينادي باسم يوسف الحسومي ويعرّف بنفسه داخل مكان الاحتجاز، لكن لم يتمكن من رؤيته بشكل مباشر، فقط سمع صوته".
ورغم أن هذه الشهادة أعادت الأمل إلى العائلة، فإنها لم تتحول إلى حقيقة مؤكدة، إذ لم تُسفر مراجعات الجهات المختصة عن أي معلومة رسمية حول مصيره.
وتتابع الأم: "تعلقت بأي خبر، بأي إشارة، لكننا لم نتلقَّ شيئًا مؤكدًا. لا نعرف إن كان حيًا أم شهيدًا".
آخر لحظة
لا تزال آخر صورة ليوسف حاضرة في ذاكرة والدته بكل تفاصيلها. كانت تحاول منعه من الخروج في ذلك الصباح، لكن محاولتها لم تنجح.
وتقول بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: "طلبت منه أن يبقى في البيت وألا يذهب، كنت خائفة عليه. لكنه ارتدى بلوزته البيضاء وخرج مسرعًا".
وتضيف: "كانت تلك آخر مرة أراه فيها… رأيته يغادر من باب المنزل، ولم أستطع حتى أن أناديه".
وبعد أسابيع من فقدانه، اضطرت العائلة إلى النزوح من شمال قطاع غزة، لتبدأ رحلة جديدة من التشرد ترافقت مع استمرار البحث عن ابنها الغائب.
ورغم مرور عام كامل، ما زالت الأم تتشبث بأي تفصيل صغير قد يقودها إليه، محتفظة في ذاكرتها بملامحه وملابسه كما خرج بها في ذلك الصباح، على أمل أن يقودها ذلك يومًا إلى خبرٍ يقين.
وتختم حديثها قائلة: "أبحث عن أي شيء يدلني عليه؛ صورة، قطعة ملابس، أو خبر صادق. الأم لا تنسى ابنها. كل ما أريده أن أعرف ماذا حدث له".
عامٌ مضى، وما زال اسم يوسف الحسومي حاضرًا في سجل المفقودين، بين ذاكرة أمٍّ لا تهدأ، وغيابٍ يزداد ثقلًا مع كل يوم يمر، دون إجابة تُنهي رحلة الانتظار الطويلة.