فلسطين أون لاين

من تحت الركام إلى غرفة من طين.. عائلة حمد تُقاوم الفقد وتبحث عن حياة جديدة

...
عائلة حمد تُقاوم الفقد وتبحث عن حياة جديدة
غزة/ هدى الدلو:

في ليلة واحدة، تحوّل منزل عائلة حمد في مخيم المغازي وسط قطاع غزة من ملاذٍ آمن إلى مسرح لمجزرة أودت بحياة عشرة من أفراد الأسرة، وغيّرت مصير الناجين إلى الأبد.

فمن بين الركام والدماء، خرج من تبقى منهم مثقلين بالجراح والفقدان، ليبدؤوا رحلة جديدة من المعاناة داخل غرفة صغيرة شُيّدت من الطين فوق أنقاض المنزل المدمر.

وبعد أكثر من عام على تلك الليلة الدامية، لا تزال آثار المجزرة حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية؛ شقيق فقد ساقيه، وأم مسنة ترعى ستة أطفال أيتام، وذكريات ثقيلة تطاردهم في كل زاوية من المكان. ورغم قسوة الفقد وضيق الحال، تحاول العائلة التمسك بالحياة وصناعة أمل جديد من بين الأنقاض.

WhatsApp Image 2026-06-17 at 11.59.25 AM (2).jpeg
 

ولم تكن ليلة الخامس عشر من كانون الثاني/يناير 2024 ليلة عادية في حياة عائلة حمد. ففي ظل الاجتياح البري لمخيم المغازي، تمسكت العائلة بالبقاء داخل منزلها رغم المخاطر المحدقة، لكن قذيفة إسرائيلية باغتت النساء والأطفال الذين احتموا داخله، وحوّلت البيت في لحظات إلى كومة من الركام والدماء.

وفي تلك المجزرة، فقدت العائلة عشرة من أفرادها، بينهم والد الأسرة، وشقيقان، وزوجة أحدهما، وشقيقة حسن حمد وزوجها، إلى جانب عدد من الأقارب، في حين وجد الناجون أنفسهم محاصرين تحت الأنقاض بين الجراح والخوف والموت.

ويستعيد حسن حمد، أحد الناجين من المجزرة، تلك الساعات العصيبة قائلاً: "عندما أفقت من هول القصف لم أكن أستوعب ما جرى. كان المكان مدمرًا بالكامل، وصراخ الجرحى يخرج من بين الركام، فأدركت أن عليّ أن أفعل شيئًا".

واتصل حسن بالإسعاف طلبًا للنجدة، إلا أن الرد كان صادمًا. ويقول لصحيفة "فلسطين": "أبلغوني أن المنطقة مصنفة حمراء وخطيرة، وأن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول إليها، وحتى الصليب الأحمر لم يتمكن من الدخول بسبب الأوضاع الأمنية".

WhatsApp Image 2026-06-17 at 11.59.26 AM (1).jpeg
 

وأمام غياب أي وسيلة إنقاذ، شرع حسن بالبحث بين الأنقاض عن أفراد عائلته، ونقل المصابين والشهداء واحدًا تلو الآخر إلى مدرسة قريبة تبعد نحو خمسين مترًا عن المنزل. وبمساعدة عدد من الشبان، تمكن من إخراج والدته المصابة وشقيقه عبدالله الذي كان ينزف بشدة. ولا تزال كلمات شقيقه الأخيرة خلال تلك الساعات عالقة في ذاكرته، إذ كان يردد: "لا تسيبني... خليك معي"، بينما كان حسن يحاول طمأنته رغم جهله بمصيره.

واستمرت عمليات الإنقاذ حتى ساعات الليل، قبل أن يتوقف البحث بسبب الظلام وتصاعد المخاطر، فيما بقي أحد أشقائه تحت الركام. وفي المدرسة التي تحولت إلى مركز إيواء مؤقت، حاول حسن البحث عن أي رعاية طبية للمصابين، قبل أن ينقل والدته وشقيقه عبدالله على عربة بسيطة إلى المستشفى.

وهناك تلقى خبرًا جديدًا زاد من حجم المأساة، إذ اضطر الأطباء إلى بتر الساق اليمنى لعبدالله من فوق الركبة، وبتر جزء كبير من قدمه اليسرى، بعدما تأخر وصوله للعلاج أكثر من ست ساعات.

WhatsApp Image 2026-06-17 at 11.59.25 AM (1).jpeg
 

ويقول حسن بحسرة: "كنت أتمنى أن يبقى عبدالله بصحته وعافيته، وأن يواصل حياته كما كان، فقد اعتاد العمل نجارًا ويقضي أيامه بين الأخشاب والآلات التي أحبها".

وبعد أشهر طويلة من العمليات والعلاج، يحاول عبدالله التأقلم مع واقعه الجديد، إلا أن معاناته اليومية لا تزال تؤلم أسرته، خاصة عندما يضطر إلى الزحف لقضاء احتياجاته بسبب عدم توفر أطراف صناعية تساعده على الحركة.

ويضيف حسن: "يحاول أن يبدو قويًا، لكن رؤيته غير قادر على المشي كما كان تكسر قلوبنا كل يوم". واليوم، يحلم عبدالله بالحصول على أطراف صناعية تعيده إلى الحياة والعمل، وأن يتمكن من فتح منجرته مجددًا واستعادة مهنته التي كانت مصدر رزقه وشغفه.

WhatsApp Image 2026-06-17 at 11.59.25 AM.jpeg
 

أما والدته، رضا حمد (60 عامًا)، فقد نجت من المجزرة بجسد مثقل بالشظايا وأمراض مزمنة في الركبتين والغدد، لكنها وجدت نفسها مسؤولة عن رعاية ستة أطفال أيتام فقدوا آباءهم وأمهاتهم خلال الحرب.

وتقيم رضا اليوم مع الأطفال داخل غرفة صغيرة أعيد ترميمها من بين أنقاض المنزل باستخدام الطين، في محاولة لتوفير مأوى يحميهم من الحر والبرد ومشقة النزوح.

وتقول بحزن: "الأطفال لا يحتاجون إلى الطعام والشراب فقط، بل يحتاجون إلى الأمان والحنان الذي فقدوه برحيل آبائهم وأمهاتهم".

وتضيف: "أحاول أن أكون لهم أمًا وجدة في الوقت نفسه، لكن المسؤولية ثقيلة جدًا، وكل يوم أفكر كيف سأؤمن احتياجاتهم الأساسية في ظل هذه الظروف الصعبة".

وبين غرفة من الطين، وأطراف مبتورة، وذكريات لا تغادر المكان، تواصل عائلة حمد معركتها اليومية من أجل البقاء. فالمجزرة التي حرمتها عشرة من أفرادها لم تخلّف شهداء فقط، بل تركت وراءها أسرة كاملة تحاول أن تتعلم كيف تتعايش مع الغياب، وأن تبني من فوق الركام حياة جديدة وأملًا لا ينكسر.

المصدر / فلسطين أون لاين