مع اشتداد حرارة الصيف في قطاع غزة، تطل أزمة مياه الشرب برأسها من جديد داخل مخيمات الإيواء المكتظة بالنازحين، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة معاناة يومية تتفاقم يوما بعد آخر. فبينما ترتفع درجات الحرارة ويزداد احتياج الأسر للمياه، تتراجع الإمدادات المتاحة نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية المائية واستمرار القيود المفروضة على إدخال مستلزمات التشغيل والصيانة.
ولا يزال عشرات الآلاف من النازحين يعتمدون على صهاريج نقل المياه ومحطات التحلية الصغيرة للحصول على احتياجاتهم الأساسية من مياه الشرب، في مشهد بات يتكرر يوميا داخل المخيمات المنتشرة في أنحاء القطاع. ومع ازدياد الطلب مقابل محدودية الكميات المتوفرة، أصبحت المياه سلعة نادرة تستهلك وقت وجهد السكان في رحلة بحث شاقة لا تنتهي، وسط مخاوف متزايدة من تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض المرتبطة بنقص المياه وتلوثها.
رحلة يومية شاقة
في أحد مخيمات الإيواء غرب مدينة غزة، تبدأ صابرين عايد يومها مع ساعات الصباح الأولى قبل أن تشتد حرارة الشمس فوق الخيام المهترئة. تحمل المرأة الأربعينية عدة جالونات فارغة وترافقها ابنها الأكبر في رحلة يومية للحصول على مياه الشرب من محطة تحلية صغيرة تبعد مسافة طويلة عن مكان إقامتها. وبين طرقات مليئة بالركام وآثار الدمار، تسير الأم وابنها أملا في العودة بما يكفي من المياه لإعالة أسرتها المكونة من خمسة أفراد.
تقول عايد لصحيفة "فلسطين" وهي ترتب الجالونات أمام خيمتها: "الحصول على الماء أصبح أصعب من الحصول على الطعام. كل يوم نفكر كيف سنؤمن ما يكفي من مياه الشرب لأطفالنا". وتوضح أن أسرتها كانت في الأشهر الماضية تتمكن من تعبئة عدة جالونات يوميا، إلا أن تزايد أعداد النازحين وارتفاع الطلب مع دخول الصيف أديا إلى تراجع الكميات التي تحصل عليها بشكل ملحوظ.
وتضيف: "في السابق كنا نعود بأربعة أو خمسة جالونات ممتلئة، أما الآن فقد ننتظر ساعات طويلة ثم لا نحصل إلا على جالونين أو ثلاثة. أحيانا تنفد المياه قبل أن يصل دورنا". وتتابع أن هذه الكميات لم تعد تكفي احتياجات الأسرة الأساسية، ما يضطرها إلى تقنين الاستهلاك بشكل قاس.
داخل الخيمة الصغيرة، تضع عايد أوعية المياه في زاوية بعيدة عن أشعة الشمس، بينما يطلب أطفالها الماء البارد للتخفيف من حرارة الطقس الخانقة. وتقول: "أطفالي يطلبون الماء باستمرار بسبب الحر، لكنني أضطر إلى حساب كل كوب. أخشى أن تنفد الكمية قبل أن نتمكن من الحصول على غيرها".
أما ابنها الأكبر الذي يرافقها يوميا في رحلة البحث عن المياه، فيقول: "أمشي مع والدتي كل يوم لأن الجالونات ثقيلة. أحيانا ننتظر لساعات تحت الشمس ثم نعود بكمية قليلة لا تكفي الأسرة". ويضيف: "أشعر بالحزن عندما أرى الناس يتشاجرون على دور تعبئة المياه بسبب قلتها".
وتصف عايد مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطة التحلية بأنها أصبحت جزءا من حياتها اليومية. وتقول: "الناس يقفون بالعشرات حاملين الجالونات الفارغة. الجميع يخشى العودة دون ماء". وتؤكد أن أكثر ما يقلقها هو استمرار تراجع الإمدادات مع ازدياد حرارة الصيف، مضيفة: "إذا كانت هذه حالنا في بداية الصيف، فكيف سيكون الوضع في الأشهر المقبلة؟ نحن لا نطلب سوى الماء النظيف لأطفالنا. أصبح هذا الحلم البسيط معركة نخوضها كل يوم".
هاجس متجدد
لم يعد محمود دبابش (47 عاماً) يقيس أيامه بعدد الساعات التي يقضيها داخل خيمته في حي النصر غربي مدينة غزة، بل بعدد الغالونات التي ينجح في توفيرها لعائلته من مياه الشرب. فمنذ أن دمرت الغارات الإسرائيلية منزله خلال الحرب، وانتقل مع أسرته إلى مخيم إيواء مؤقت، تحولت المياه إلى هاجس يومي يلاحقه مع اشتداد حرارة الصيف وتراجع كميات المياه الواصلة إلى المنطقة.
يعيش دبابش مع زوجته وأطفاله الأربعة داخل خيمة متواضعة لا تقيهم حرارة الشمس، ويقول إن أكثر ما يرهقه ليس ضيق المكان أو قسوة الحياة في المخيم، بل الخوف المستمر من نفاد مياه الشرب. ويضيف لـ"صحيفة فلسطين": "كنا ننتظر وصول شاحنات المياه بشكل شبه منتظم، لكن خلال الأسابيع الأخيرة أصبحت تأتي على فترات متباعدة، وأحياناً تمر أيام طويلة قبل أن نراها".
ويتابع: "مع ارتفاع درجات الحرارة يزداد استهلاك المياه بشكل طبيعي، لكن الكميات التي تصل إلى المخيم تتناقص. لم يعد أمامي خيار سوى شراء المياه بشكل يومي تقريباً، رغم أنني فقدت منزلي ومصدر دخلي، ولا أملك القدرة على تحمل هذه النفقات".
في ساعات الصباح الباكر، يخرج دبابش باحثاً عن بائع مياه أو محطة تحلية يمكن أن توفر له بضعة غالونات تكفي أسرته ليوم واحد. وأحياناً يضطر إلى السير لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو استئجار عربة لنقل المياه إلى المخيم. ويقول: "كل يوم أفكر من أين سأؤمن ثمن المياه. أصبحت أشعر أننا نعيش معركة بقاء حقيقية، فالماء لم يعد متوفراً كما كان في السابق".
ويشير إلى أن أفراد أسرته باتوا يتجنبون استخدام المياه إلا عند الضرورة القصوى. "أطفالي يسألونني باستمرار لماذا لا نستطيع الشرب متى نشاء، ولماذا نطلب منهم الاقتصاد في استخدام المياه حتى في أشد أيام الحر. من الصعب أن تشرح لطفل أن كوب الماء أصبح شيئاً نادراً".
وتجلس زوجته قرب مجموعة من الغالونات البلاستيكية التي تحتفظ بها الأسرة داخل الخيمة، تحسب الكمية المتبقية بعناية خشية نفادها قبل الحصول على إمدادات جديدة. ويقول محمود: "نراقب مستوى المياه في كل جالون وكأننا نراقب عداد الوقت. عندما تقترب الكمية من النفاد نشعر بالقلق والتوتر".
ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً: "إذا كانت الأزمة بهذا السوء في بداية الصيف، فكيف سيكون الوضع عندما ترتفع درجات الحرارة أكثر؟ الناس هنا لا يبحثون عن الرفاهية، بل عن حقهم الطبيعي في الحصول على مياه نظيفة وآمنة".
ويختم حديثه قائلاً: "فقدنا بيوتنا وممتلكاتنا خلال الحرب، لكن فقدان القدرة على تأمين المياه لعائلاتنا هو الشعور الأكثر قسوة. عندما يصبح الماء هماً يومياً، تدرك أن الحياة أصبحت أصعب مما يمكن تحمله".
أزمة متفاقمة
من جانبه، يحذر المدير العام للتخطيط في سلطة المياه وجودة البيئة، مازن البنا، من أن قطاع غزة يواجه أزمة مائية متفاقمة تهدد الصحة العامة، في ظل استمرار الحصار وتدمير معظم مرافق المياه والصرف الصحي خلال الحرب.
ويقول البنا لـ"فلسطين" إن نقص المياه بات أحد أخطر التحديات الإنسانية التي تواجه السكان، نظراً لما يسببه من مخاطر صحية وبيئية متزايدة، خصوصاً في المناطق المكتظة ومخيمات النزوح.
ويوضح أن قطاع غزة كان يعتمد قبل الحرب على ثلاثة مصادر رئيسية للمياه، هي الخزان الجوفي ومحطات تحلية مياه البحر والمياه الواردة عبر شركة "ميكروت" الإسرائيلية، بإجمالي إنتاج يومي بلغ نحو 300 ألف متر مكعب. إلا أن غالبية المياه الجوفية لم تكن مطابقة لمعايير مياه الشرب العالمية، إذ إن معظم آبار القطاع كانت تعاني من مستويات مرتفعة من الملوحة والتلوث.
ويشير إلى أن الحرب تسببت بأضرار واسعة النطاق في البنية التحتية المائية، إذ تعرضت الآبار ومحطات الضخ والتحلية والمعالجة وشبكات التوزيع لدمار كبير، ما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 800 مليون دولار. ونتيجة لذلك، انخفض إنتاج المياه إلى نحو 130 ألف متر مكعب يومياً فقط، أي ما يعادل ما بين 30 و40% من الكميات التي كانت متاحة قبل الحرب.
ويضيف أن تضرر شبكات المياه أدى أيضاً إلى ارتفاع نسبة الفاقد المائي بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي يزيد من صعوبة إيصال المياه إلى السكان، ويضاعف الأعباء الملقاة على عاتق البلديات والمؤسسات المشغلة.
ويؤكد البنا أن الأوضاع تبدو أكثر خطورة داخل مخيمات النزوح التي تعتمد بصورة رئيسية على صهاريج نقل المياه، حيث لا يحصل الفرد هناك إلا على جزء يسير من احتياجاته اليومية الفعلية. كما أن المياه المنقولة تبقى معرضة للتلوث أثناء النقل والتخزين، ما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة.
ويلفت إلى أن دخول فصل الصيف يفرض ضغوطاً إضافية على القطاع المائي نتيجة الارتفاع المتوقع في معدلات الاستهلاك، في وقت تواجه فيه البلديات صعوبات كبيرة بسبب نقص الوقود ومواد التعقيم وقطع الغيار اللازمة لتشغيل وصيانة مرافق المياه، مؤكداً أن استمرار القيود المفروضة على إدخال هذه المستلزمات يحد من القدرة على تحسين الخدمات أو زيادة كميات المياه المتاحة للسكان.