قائمة الموقع

بعد عقدين من الانتظار.. الحرب تغتال حلم الأبوة للدكتور صديق نصار

2026-06-19T09:00:00+03:00
فلسطين أون لاين

بعد عشرين عامًا من الصبر والانتظار، ظنّ الأكاديمي الغزي الدكتور صديق نصار أن حلمه الأكبر قد تحقق أخيرًا عندما احتضن توأميه "توفيق" و"جمان"، ليعيش للمرة الأولى تفاصيل الأبوة التي طالما تمنّاها. لكن حرب الإبادة الإسرائيلية لم تمنحه سوى خمسة أشهر فقط من تلك الفرحة، قبل أن تمتد إليه الصواريخ، فتغتال حياته وتحوّل حلمه الذي انتظره سنوات طويلة إلى مأساة إنسانية موجعة.

وتروي زوجته أماني العطل لصحيفة "فلسطين" تفاصيل رحلة الكفاح التي خاضها زوجها الراحل، مؤكدة أن حياته كانت عنوانًا للإصرار والاجتهاد والسعي الدؤوب لتحقيق طموحه بالرغم من قسوة الظروف.

وتقول: "كانت حياة صديق مليئة بالتعب والكفاح المستمر. لم يستسلم يومًا للظروف الصعبة التي أحاطت بنا، بل كان يعمل ويدرس في الوقت نفسه دون كلل أو ملل".

وأضافت: "عمل خياطًا وناطورًا لتوفير مصاريف دراسته الجامعية وإكمال تعليمه. وبعد حصوله على درجة البكالوريوس عُيّن مدرسًا في الجامعة الإسلامية بغزة، إلا أن طموحه لم يتوقف عند ذلك، فواصل دراسة الماجستير، ثم سافرنا إلى تركيا حيث نال درجة الدكتوراه. وبعد سنوات طويلة من الاجتهاد عاد إلى غزة عام 2019 ليعمل أستاذًا أكاديميًا في جامعته وينقل علمه وخبرته إلى طلبته".


 

وتستحضر الزوجة الجانب الإنساني في شخصية زوجها قائلة: "كان نعم السند والعون؛ ابنًا بارًا بوالدته، وأخًا حنونًا، وزوجًا مخلصًا. أما فرحته الأكبر فكانت عندما رزقنا الله بتوأمنا بعد عشرين عامًا من الانتظار، فقد عاش الأبوة بكل مشاعره، رغم أن الحرب سرقت منه هذه النعمة سريعًا".

وتتابع: "مع بداية الحرب فرض الاحتلال حصارًا خانقًا على القطاع، وكان صديق يبذل جهدًا يوميًا لتوفير الحليب لطفليه رغم شحه الشديد، وكذلك الحفاضات التي اختفت من الأسواق نتيجة إغلاق المعابر".

وعن رحلة النزوح القاسية، توضح أماني أن العائلة اضطرت إلى الانتقال إلى مدينة دير البلح خوفًا على طفليها من أصوات القصف والانفجارات، بعد أن روّج الاحتلال للمنطقة باعتبارها "آمنة"، إلا أن الموت ظل يلاحق النازحين في كل مكان.

وتضيف: "كان صديق يشعر في قرارة نفسه بأنه سيستشهد، وقبل يوم واحد من استشهاده حاول أن يحدثني عن وصيته، لكنني كنت أرفض الاستماع إليه وأتمسك بالأمل أن نبقى معًا، في الحياة أو حتى في الموت".

وتؤكد أن زوجها أوصاها قبل رحيله بأن تحرص على أن يبلغ توفيق وجمان الثانية عشرة من عمرهما وهما حافظان لكتاب الله كاملًا، معتبرًا ذلك أعظم ما يمكن أن يتركه لهما.


 

وعن ليلة الاستهداف، تقول الزوجة بصوت يثقله الألم: "كان توفيق يبكي بصورة غير معتادة تلك الليلة. استيقظ والده على صوته، وأخبرته أنني لم أره يبكي بهذه الطريقة من قبل، وكأن الطفل كان يشعر بفراق والده".

وتتابع: "اعتاد توفيق أن يستيقظ ليلًا ليلعب ويضحك مع والده، لكن تلك الليلة كانت مختلفة تمامًا. حمله صديق بين ذراعيه وذهب به إلى الحمام لتهدئته حتى لا يوقظ من حوله، وفي تلك اللحظة سقط صاروخ الاحتلال مباشرة على المكان".

وتصف الزوجة حجم المأساة قائلة: "أصيب صديق إصابة مباشرة في الدماغ واستشهد على الفور، بينما أصيب توفيق، الذي لم يتجاوز عمره خمسة أشهر، بست شظايا في دماغه، ويتلقى العلاج حاليًا في دولة قطر".

وختمت حديثها برسالة مؤثرة قائلة: "لا تنسوا الدكتور صديق، واذكروه دائمًا بالدعاء. شهداء غزة ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل حكايات حياة وأحلام وعقول خسرتها الإنسانية تحت القصف، وسط صمت العالم".

مسيرة كفاح انتهت تحت القصف

كان الدكتور صديق نصار أستاذًا مساعدًا في قسم إدارة الأعمال بالجامعة الإسلامية بغزة، وشكّلت حياته نموذجًا للكفاح والإصرار؛ إذ بدأ مشواره عاملًا بسيطًا قبل أن يشق طريقه في التعليم حتى نال درجة الدكتوراه من تركيا وعاد لخدمة مجتمعه الأكاديمي في غزة.


 

وبعد عشرين عامًا من الزواج، رزقه الله بتوأمه "توفيق" و"جمان"، ليبدأ رحلة الأبوة التي انتظرها طويلًا. غير أن الحرب الإسرائيلية أنهت تلك الرحلة سريعًا، حين استُهدف فجرًا أثناء محاولته تهدئة طفله الرضيع، فاستشهد على الفور، فيما أصيب طفله إصابات خطيرة ما زال يتلقى العلاج على إثرها.

وهكذا تحوّلت فرحة الأبوة التي انتظرها عقدين كاملين إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلامًا في غزة، حيث تواصل الحرب حصد الأرواح والأحلام معًا.

اخبار ذات صلة