لم يكن صباح السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 يومًا عاديًا في حياة المواطن دياب صيدم وعائلته. ففي لحظات قليلة، تحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى مشهدٍ قاسٍ من الألم والفقد، بعدما استهدفت الطائرات الإسرائيلية منزل العائلة بصاروخ، ما أسفر عن إصابات جسيمة واستشهاد ابنه الصغير، لتبدأ بعدها رحلة جديدة من المعاناة والصبر والتحدي.
يروي دياب لصحيفة "فلسطين" أمس، تفاصيل تلك اللحظات المؤلمة قائلًا: "كنت واعيًا تمامًا لما حدث من حولي رغم شدة الإصابة. شعرت بالألم، ورأيت آثار القصف والدمار، لكنني كنت أدرك أن مصابًا جللًا قد وقع".
وبينما كانت المنطقة تعيش حالة من الفوضى والخطر، سارع الجيران إلى إسعافه ونقله إلى المستشفى بسيارة مدنية، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنظومة الصحية.
وصل صيدم إلى المستشفى وهو يعاني إصابة بالغة استدعت تدخلًا جراحيًا عاجلًا، وبعد ساعات من العمليات استيقظ على واقع جديد لم يكن يتخيله يومًا، يقول: "عندما أفقت من العملية علمت أن قدمي اليمنى قد بُترت من تحت الركبة، كانت لحظة صعبة جدًا، لكنني أيقنت أن هذا قدر الله، والحمد لله على كل حال".
ولم تتوقف المعاناة عند حدود الإصابة أو فقدان جزء من الجسد، بل امتدت إلى فترة العلاج التي وصفها بالصعبة في ظل الضغط الهائل على المستشفيات والطواقم الطبية.
تحديات كبيرة
ويضيف: "واجهت تحديات كبيرة خلال فترة العلاج بسبب نقص الإمكانيات الطبية والضغط الشديد على الكادر الصحي، لكن الجميع كان يبذل ما يستطيع في ظروف استثنائية".
ورغم الألم النفسي الناتج عن فقدان ابنه الصغير، وما رافقه من تغيرات جذرية في حياته، رفض دياب الاستسلام لليأس، مؤمنًا بأن الصبر والرضا سبيل لتجاوز المحنة. ويتابع: "فقدان الابن مصيبة عظيمة لا توصف، وكذلك فقدان جزء من الجسد أمر مؤلم، لكن المؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، ويستمد قوته من إيمانه".
وبعد نحو شهر من الإصابة، بدأ دياب يستعيد شيئًا من تفاصيل حياته اليومية، فخطا أولى خطواته نحو العودة إلى المجتمع رغم الصعوبات الجسدية التي يواجهها، وأصبح يقضي بعض احتياجاته خارج المنزل ويتردد على الأسواق، محاولًا التكيف مع واقعه الجديد في انتظار الحصول على طرف صناعي يساعده على الحركة بشكل أفضل.
ويؤكد أن الإرادة كانت أقوى من الإصابة، مضيفًا: "ما زلت أنتظر تركيب طرف صناعي، لكنني قررت ألا أجعل الإعاقة توقف حياتي أو رسالتي، فالإنسان يستطيع أن يواصل طريقه ما دام يمتلك العزيمة والإيمان".
ولأن رسالته في الحياة ترتبط بتعليم كتاب الله، عاد دياب إلى أداء دوره التربوي والدعوي رغم كل التحديات، حيث يواصل تقديم دورات التلاوة والتجويد والإشراف على حلقات تحفيظ القرآن الكريم للأطفال، مؤمنًا بأن بناء الأجيال وغرس القيم مسؤولية لا ينبغي أن تتوقف.
ويقول بابتسامة يختلط فيها الألم بالأمل: "حين أجلس مع الأطفال وأسمع تلاواتهم أشعر أنني أستعيد جزءًا من قوتي، فتعليم القرآن رسالة عظيمة تمنحني دافعًا للاستمرار مهما كانت الظروف".
وبينما ينتظر استكمال رحلة العلاج وتركيب طرفه الصناعي، يواصل السير في طريقه، حاملاً رسالة العلم والقرآن، ومؤكدًا أن الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب المأساة.