في مشهد امتزجت فيه الدموع بالابتسامات، والزغاريد بذكريات الفقد، اجتمع عشرات الفلسطينيين أمس، في حفل زفاف جماعي نظمته جمعية إيليك التركية ضمن مشروعها الإنساني "أفراح رغم الجراح"، تحت شعار: "لأن الحياة تستحق أن تُستأنف... ولأن الفرح حق لا تلغيه الجراح".
الحفل الذي استهدف عشرة عرسان وعشر عرائس من الفئات الأكثر تضرراً من الحرب على قطاع غزة، حمل رسالة تتجاوز الاحتفال بالزواج، ليصبح إعلاناً جماعياً عن التمسك بالحياة على الرغم من الخسارات الكبيرة التي عاشها المشاركون خلال الأشهر الماضية.
وبين العرسان كان أبو جهاد شراب، الذي عبّر عن امتنانه لكل من ساهم في تنظيم الحفل، مؤكداً أن الفلسطينيين قادرون على النهوض من جديد رغم ما خلفته الحرب من دمار ومعاناة.
وقال لصحيفة "فلسطين": "سنُعمر البيوت إن شاء الله، ونستمر في صمودنا على هذه الأرض، وربنا يوفقنا في الزواج، شكراً لكل من ساهم ورعى هذا الاحتفال، ونحن شعب صامد على أرضه ولن نتنازل عنها".
أما عبد الرحمن عبد الغفور، الناجي الوحيد من عائلته، فوقف وسط أجواء الفرح حاملاً قصة تختصر جانباً من المأساة التي عاشها آلاف الفلسطينيين خلال الحرب.
ورغم فقدانه أفراد أسرته جميعاً، أكد أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن الأمل لا يموت مهما اشتدت الظروف وتعاظمت التحديات.
وقال عبد الغفور لـ"فلسطين" إن مشاركته في هذا الحفل تمثل بداية جديدة بعد رحلة طويلة من الألم، مضيفاً أنه مصمم على بناء أسرة جديدة واستئناف حياته رغم حجم الفقد الذي تعرض له.
ووصف المناسبة بأنها "احتفال بانتصار الأمل على الألم"، مؤكداً أن العرسان يعاهدون الله على بناء بيوت قائمة على التقوى، وأن يكونوا أزواجاً صالحين يسهمون في بناء مجتمعهم رغم الجراح.
وأضاف أن فضل من وقفوا إلى جانبهم في هذه المرحلة الصعبة لا يمكن نسيانه، موجهاً الشكر لكل من ساهم في رسم البسمة على وجوه العرسان والعرائس ومنحهم فرصة للبدء من جديد.
ولم يكن المشاركون في الحفل مجرد شباب يستعدون لبدء حياة زوجية، بل أشخاص حمل كثير منهم جراحاً عميقة خلفتها الحرب، فمن بينهم ناجون فقدوا عائلاتهم بالكامل، وآخرون فقدوا أزواجهم أو زوجاتهم وأبناءهم، ليجدوا أنفسهم أمام تحدي إعادة بناء حياتهم وسط واقع إنساني بالغ الصعوبة.
منسق المبادرة، المهندس محمد أبو عجلان، أكد أن المشروع جاء ليستهدف هذه الشريحة تحديداً، موضحاً أن بعض المستفيدين هم الناجون الوحيدون من أسرهم، بينما فقد آخرون زوجاتهم أو أزواجهم وعدداً من أبنائهم خلال الحرب.
وقال أبو عجلان لـ"فلسطين": "اليوم قمنا بتزويج عشرة عرسان وعشر عرائس من الفئات التي عانت بشكل مباشر من هذه الحرب، منهم الناجي الوحيد من عائلته، ومنهم من فقد زوجته أو أبناءه، نحاول اليوم أن نرسم البسمة على شفاههم، وأن نؤكد أن الحياة تستمر وأن غزة ما زالت تنبض بالحياة".
وأضاف أن الجمعية تسعى من خلال هذه المبادرة إلى إعادة الأمل للفئات الأكثر تضرراً، وإيصال رسالة مفادها أن الألم لا يجب أن يكون نهاية الطريق، وأن من حق المتضررين أن يحظوا بفرصة جديدة للاستقرار وبناء أسرة ومستقبل أكثر أملاً.
وتأتي هذه المبادرة ضمن سلسلة مشاريع إنسانية وإغاثية وتنموية تنفذها جمعية إيليك التركية دعماً لسكان قطاع غزة، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي خلفتها الحرب، وفق أبو عجلان الذي أكد أن الجمعية تعتزم مواصلة هذه الجهود مستقبلاً، بما في ذلك تنظيم أفواج جديدة من حفلات الزواج الجماعي للفئات التي فقدت أفراداً من أسرها خلال الحرب.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه آثار الفقد والدمار حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لسكان غزة، بدت ابتسامات العرسان والعرائس في ذلك اليوم بمثابة رسالة تحدٍ للواقع القاسي، ورسالة وفاء لمن رحلوا، ورسالة أمل تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من الحرب، وأن الفرح، مهما تأخر، قادر على أن يجد طريقه بين الركام

