يهدد إغلاق المعابر خطبة هديل حسين حبيب (32 سنة) المستمرة منذ ثلاث سنوات، ويحول دون أن تتمكن من السفر لإتمام الزفاف، ما يجعل "الانفصال" احتمالاً واردًا، وهي مأساة لا تعيشها وحدها بل تمس مئات الزوجات في قطاع غزة منذ بدء الإبادة أو قبلها، مطالبين بعدِّه ملفا إنسانيا يستدعي تبنيه من الجهات الفلسطينية المختصة والحكومات الأوروبية.
وشاركت حبيب وهي متحدثة باسم الزوجات العالقات في ثلاث وقفات احتجاجية نظمتها الزوجات في المدة الأخيرة، مؤكدين أن قضيتهن إنسانية وتحتاج إلى حلٍ وإجلاءٍ خارج القطاع ضمن الدفعات الحالية للسفر. وتقدر حبيب عدد الزوجات العالقات بنحو 950 زوجة عالقة بينهن أمهات لقرابة 1500 طفل.
بمرارة تروي حبيب قصتها لصحيفة "فلسطين" قائلة: "خطيبي أردني الأصل وكثيرا حاول إجلائي عن طريق المملكة الأردنية لكن الطلب قوبل بالرفض بعد محاولات عديدة تقدم بها عبر الخارجية الأردنية. أخشى من طول الانتظار والانفصال خاصة مع كثرة المحاولات والرفض التي توصلنا إلى حالة من الإحباط واليأس".
وفي الوضع الطبيعي في حال تمكنت حبيب من السفر لحظة خطبتها، كان يمكن أن يكون عمر مولودها الأول عامين، وأضافت بقهر على ضياع السنوات: "تجاوزت الثانية والثلاثين ولا زلت على قائمة الانتظار وأمنيتي أن أستقر ويكون لدي أطفال وحياة كريمة وتتحول الخطبة إلى زواج".
وشددت "مطلبنا أن يفتح معبر رفح حتى نستكمل إجراءات السفر ونحصل على لم شمل مع أزواجنا".
محاولات لم تنجح
أما سعدية سويلم وبالرغم من حصول طفليها زوجها على الجنسية المصرية إلا أنها لم تتمكن من السفر عبر معبر رفح بالرغم من محاولات عديدة أجرتها خلال نزوحها بمدينة رفح منها الذهاب إلى المعبر وكلها باءت بالفشل.
وسويلم عالقة منذ تاريخ 2 يونيو/ حزيران 2023، وهي فلسطينية متزوجة من مصري الأصل، وتقول لصحيفة "فلسطين" عن محاولات السفر: "جاء زوجي على المعبر من الجهة المصرية وبذل محاولات عديدة أستمرت على مدار أسبوع كونه مصري للأسف لم ينجح. كان عمر ابني ثلاثة أشهر عندما جئت الآن كبر بعيدا عن والده، والطفلان يلحان علي دائما يريدان السفر لوالدهما".
وفي خيمة بمواصي خان يونس تعيش سويلم في ظروف صعبة، وتتحمل مسؤوليات عديدة، وتقرب الصورة أكثر على مأساتها: "حياتنا عبارة عن خوف ورعب. خيمتنا غير قابلة للسكن ولا يوجد مصدر دخل ثابت. لذلك نعيش على المساعدات الإغاثية التي نحصل عليها".
وتستذكر ما عاشته خلال الحرب "أطفالي يخافون من القصف الذي لم يتوقف حتى الآن"، مطالبةً الجهات المصرية المختصة بالعمل على إجلائها.
وقبل الحرب دفعت ظروف الحصار الإسرائيلي الصعبة وارتفاع نسبة البطالة التي بلغت حينها نحو 47% آلاف الشباب للبحث عن فرص عمل في أوروبا، بينهم المئات من الشباب المتزوجين على أمل إجراء "لم شمل" مع زوجاتهم وأطفالهم الذين بقوا في غزة عالقين في انتظار مرهق يؤرق الأمهات وأطفالهن.
ولم تنجح محاولات أماني الغرباوي قبل الإبادة بعام من السفر لزوجها وبقيت عالقة منذ أربع سنوات، وتحكي لصحيفة "فلسطين": "سافر زوجي إلى السويد وهي من الدول ذات الإجراءات الصعبة في "لم الشمل" ولها شروطها، وحاولنا كثيرا من خلال محامين وكان أحد الشروط بأن أسافر إلى مصر لاستكمال الإجراءات وحاولنا من خلال التنسيقات لكن لم نستطع اكمال المبلغ الباهظ".
ومع صعوبة الحال تنتظر الغرباوي "أصحاب القلوب الرحيمة بالنظر إليهم كحق إنساني"، لإنهاء معاناة الانتظار وكذلك الظروف الحياتية الصعبة داخل خيمة لا يسمع فيها إلى بكاء أطفالها المشتاقين لوالدهم خاصة في ظل إبادة قاسية غاب عنهم الأمان، وتقول: "من حقنا أن نجتمع بأزواجنا فلا يوجد لدي سند، وأعيش في خيمة لا تحميني الأقمشة أنا وأطفالي في غياب الأب".
"متى بدي أشوف بابا؟.. بابا احنا خايفين" كثيرا ما تكرر سؤال الطفلين أمام أمهما أو خلال التواصل مع والدهم عبر الانترنت، وحاول والدهم قبل شهرين من خلال الصليب الأحمر بالسويد إجلاء العائلة لكن الطلب قوبل بالرفض.
وفي رحلة محاولات السفر تعرضت ناريمان وهي زوجة عالقة منذ أربع سنوات للاستغلال حيث سرق منها مبلغ مالي قبل شهر بحجة مساعدتها للسفر، وتروي لصحيفة "فلسطين": "زوجي متواجد في بريطانيا وحصل على الإقامة قبل سنة، والآن إجراءات لم الشمل هناك متوقفة. حاولت بكل الطرق السفر لكن تم سرقة مبلغ مالي. ولا أستطيع الخروج بتنسيقات مرتفعة. كما أن أبي مريض نفسي وأعاني بشدة وفررت لبيت أختي خوفا من مرض أبي، طرقنا كل الأبواب لكنها جميعها مغلقة".
معابر مغلقة
وخلال الإبادة سافر مئات المرضى والمصابين والمرافقين لدول عديدة ولم يتمكنوا حتى اللحظة من العودة ما أبقى زوجاتهم عالقات، كحال دينا البرعي (39 سنة) التي سافر زوجها في ديسمبر/ كانون أول 2023 مرافقا لابن شقيقه المصاب إلى قطر بحالة خطرة ولم ينته علاجه بعد، ولم تنجح محاولات إجلاء زوجته.
تعيش البرعي داخل خيمة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة برفقة خمس شقيقات لها، وقبل عام ونصف توقف راتب زوجها المعلم نتيجة وجوده خارج القطاع ما فاقم مأساتها، فضلا عن توقف محاولاتها للإنجاب إذ لم يرزق الزوجين بأي طفل منذ 19 سنة رغم عدة محاولات لزراعة "أطفال أنابيب".
وخلفت الحرب تداعيات صحية مختلفة على حالة البرعي وتوقفت محاولاتها لعدم وجود زوجها بجانبها، وتقول لصحيفة "فلسطين": "أتواجد مع أهلي منذ بداية الحرب. نزحنا نحو 15 مرة وعشت في ظروف صعبة. ولا زال النزوح مستمرا فقبل أسبوعين طالب صاحب الأرض إخلائها وانتقلنا لمكان آخر. ونحن خمس شقيقات لا يوجد معنا رجال أو شباب باستثناء شقيق وحيد متواجد في مدينة غزة، ونتشارك في حمل المياه والوقوف على تكيات الطعام".
وأضافت بنبرة مليئة بالقلق: "أصبح لدي مشاكل صحية أخرى، وأحتاج للسفر لاستكمال محاولات الزراعة. وهذا حق إنساني يجب أن ينظروا له بعين الرحمة والإنسانية".
وتوفي والدها قبل أسبوعين وهو مريض قلب كان يتعالج بمستشفيات الضفة الغربية وكانت بحاجة إلى زوجها لمواساتها، ومنذ عام ونصف ونتيجة بعد الأراضي التي نزحت إليها لا تستطيع التواصل مع زوجها عبر الانترنت، وبين فترات متباعدة يتمكن من إجراء مكالماتها هاتفية دولية معها للاطمئنان عليها، وتأمل أن تتمكن من السفر والخروج من واقع مرير تعيشه".