لم تعد معاناة سكان قطاع غزة مرتبطة فقط بالقصف والدمار والنزوح المتكرر، بل بات الجوع نفسه وجها آخر للموت الذي يطارد مئات آلاف العائلات المنهكة. فمع التراجع في دخول المساعدات الإنسانية، وتقليص عمل المؤسسات الإغاثية، بدأت ملامح "مجاعة صامتة" تتشكل داخل مخيمات الإيواء وأحياء النزوح، إذ يصطف الناس لساعات طويلة من أجل رغيف خبز أو غالون ماء، بينما تفرغ الأسواق من القدرة الشرائية، وتغيب أبسط مقومات الحياة.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، يتنصل الاحتلال الإسرائيلي من التزاماته المتعلقة بإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا إلى قطاع غزة وفق التفاهمات الإنسانية، إذ تظهر البيانات أن ما دخل فعليا خلال الأشهر الخمسة الماضية لا يمثل سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية للسكان الذين يعيش غالبيتهم تحت خط الفقر والجوع.
وتشير البيانات الإغاثية إلى دخول 14 ألفا و286 شاحنة مساعدات فقط خلال الأشهر الخمسة الماضية، إلى جانب 13 ألفا و966 شاحنة تجارية، و1225 شاحنة محروقات، في وقت كان يفترض أن يدخل ما يقارب 45 ألف شاحنة مساعدات خلال الفترة نفسها.
ومع تراجع أعداد الشاحنات، بدأت المؤسسات الدولية بتقليص خدماتها تدريجيا نتيجة نقص الإمدادات والوقود والقيود الإسرائيلية المشددة على حركة العاملين وطبيعة السلع المسموح بإدخالها. ففي منتصف مايو/ أيار الماضي، أعلن المطبخ المركزي العالمي تقليص عدد وجباته اليومية بنسبة 80%، ما تسبب بحرمان آلاف العائلات من مصدر غذائها الوحيد.
كما خفضت مؤسسات إغاثية أخرى كميات المياه الموزعة داخل مخيمات الإيواء، وأوقفت العديد من التكايا الخيرية والمطابخ المجتمعية عملها نتيجة نفاد المخزون الغذائي وصعوبة إدخال المواد الخام.
وتظهر تقديرات محلية ودولية أن نحو 1.6 مليون فلسطيني، أي ما يقارب 77% من سكان القطاع، يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السلع التجارية المتوفرة داخل الأسواق، وعدم امتلاك غالبية السكان أي مصادر دخل بعد فقدان أعمالهم ومنازلهم.
تقاسم رغيف الخبز
داخل خيمة في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، تجلس سماح زقوت أمام موقد صغير تحاول إشعاله بقطع من الكرتون والبلاستيك، بينما يحيط بها أطفالها الأربعة بوجوه شاحبة وأعين تترقب أي طعام قد يسد جوعهم.
استشهد زوج زقوت خلال قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة في الشهور الأولى من الحرب، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة النزوح والجوع ومسؤولية إعالة أطفالها. تقول سماح لصحيفة "فلسطين": "منذ استشهاد زوجي أصبحت الأم والأب معا. أحاول أن أخفي خوفي وجوعي أمام أطفالي، لكنني أحيانا أبكي بصمت عندما يطلبون الطعام ولا أملك شيئا أعطيهم إياه".
وتوضح أن العائلة كانت تعتمد بشكل كامل على التكية القريبة من المخيم، لكن توقفها عن العمل أدخلهم في أزمة حقيقية. وتقول: "في السابق كنا نحصل على وجبة واحدة يوميا على الأقل، أما الآن فأحيانا يمر يوم كامل من دون أن يذوق أطفالي أي طعام مطبوخ".
وتتابع بينما كانت تحاول تقسيم رغيف خبز صغير بين أطفالها: "أصبحت أحسب الخبز بالقطعة. أحيانا أعطي الأطفال الطعام وأتظاهر أنني شبعت حتى لا يشعروا أنني جائعة. ابنتي الصغيرة تستيقظ ليلا وهي تبكي من الجوع، ولا أعرف ماذا أقول لها".
وتصف زقوت رحلة الحصول على الماء بأنها "معركة يومية"، مضيفة: "أقف ساعات طويلة بانتظار شاحنة المياه، وأحيانا أعود من دون نقطة ماء بسبب التدافع. الحياة أصبحت مهينة بشكل لا يوصف".
وتقول إن أطفالها فقدوا أوزانهم بشكل واضح خلال الأشهر الأخيرة، وباتوا يعانون من الضعف والإرهاق المستمر. وتضيف: "ابني كان يحب الدراسة واللعب، الآن يجلس معظم الوقت صامتا لأنه يشعر بالتعب والجوع. الحرب لم تقتل زوجي فقط، بل سرقت طفولة أطفالي أيضا".
مجاعة متنامية
وفي زاوية أخرى من المأساة، يعيش محمد هاشم مع أسرته داخل صف مدرسي تحول إلى مركز إيواء غرب مدينة غزة، حيث تتكدس عشرات العائلات وسط رائحة الدخان والرطوبة والحر الشديد.
كان المخيم يعتمد بشكل أساسي على تكية خيرية توفر وجبات الطعام للنازحين، لكن التكية توقفت قبل أسابيع نتيجة نفاد المواد الغذائية، الأمر الذي تسبب، وفق السكان، بحالة "مجاعة حقيقية" داخل المخيم.
يقول محمد هاشم لـ"فلسطين": "منذ توقف التكية أصبحنا نعيش كارثة حقيقية. هناك عائلات لا تملك حتى ثمن ربطة خبز، وبعض الأطفال ينامون وهم يبكون من الجوع".
ويضيف بينما كان يجلس قرب أوان فارغة: "أحيانا نجمع بقايا الخبز ونبلله بالماء وربما الشاي حتى يستطيع الأطفال أكله. هذا ليس طعاما، لكنه الشيء الوحيد المتوفر".
ويؤكد أن معظم سكان المخيم فقدوا مصادر دخلهم بالكامل، وأن المساعدات التي كانت تصل سابقا تقلصت بصورة كبيرة. ويقول: "كنا نحصل على طرد غذائي كل فترة، أما الآن فلا يصل شيء تقريبا. الناس بدأت تبيع ما تبقى لديها من ملابس وأغطية حتى تشتري الدقيق".
ويتابع: "الجوع هنا لم يعد شعورا مؤقتا، بل أصبح جزءا من حياتنا اليومية. ترى الأمهات يحاولن خداع أطفالهن بالماء أو الشاي حتى يناموا. حتى المرضى وكبار السن لم يعودوا يجدون الطعام أو الدواء".
ويضيف: "أخطر ما في الأمر أن الناس بدأت تفقد قدرتها على الاحتمال. عندما تصل شاحنة مياه أو مساعدات يحدث تدافع كبير لأن الجميع يشعر أنه مهدد بالجوع والعطش".
تراجع خطير
من جانبه، يقول المدير العام في وزارة الاقتصاد، محمد بربخ لـ"فلسطين"، إن قطاع غزة يشهد تراجعا خطيرا في مستوى الأمن الغذائي نتيجة تقليص المساعدات الإنسانية وتراجع عمل العديد من المؤسسات الدولية.
ويوضح بربخ أن الاحتلال يفرض قيودا مشددة على عمل المؤسسات الإغاثية، تشمل تخفيض أعداد شاحنات المساعدات، والتدقيق في بيانات العاملين والمستفيدين، وتقييد حركة المؤسسات داخل بعض المناطق، ما أدى إلى انخفاض واضح في كميات الغذاء الواصلة إلى السكان.
ويضيف أن "التراجع المستمر في أعداد شاحنات الإغاثة انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، خاصة أن نحو 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية كمصدر أساسي للغذاء".
ويحذر بربخ من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى اتساع دائرة الجوع والفقر بصورة أكبر، خصوصا داخل مخيمات النزوح التي تعاني أصلا من أوضاع إنسانية كارثية، مؤكدا أن انعدام الأمن الغذائي بات يهدد شريحة واسعة من السكان في ظل تراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.