قائمة الموقع

قنديل حي الزيتون الذي انطفأ… الأكاديمي أنور شلدان بين العلم والأرض والشهادة

2026-06-17T09:19:00+03:00
الدكتور أنور سعدي حبيب شلدان
فلسطين أون لاين

في أزقة حي الزيتون العريق، حيث تختلط رائحة التراب بذاكرة المكان، ويُروى كل حجر بحكاية صمود، عاش الدكتور أنور سعدي حبيب شلدان (51 عامًا) حياةً تشبه رسالته؛ مزيجًا من العلم، والعمل، والانتماء العميق للأرض. لم يكن مجرد أكاديمي أو معلم فيزياء، بل كان نموذجًا لإنسان فلسطيني آمن أن البقاء في هذه الأرض ليس وجودًا عابرًا، بل هو رسالة وهوية وواجب.

وُلد شلدان في حي الزيتون عام 1974، ونشأ على حب العلم والأرض معًا. بدأ مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة فلسطين، ثم واصل دراسته لينال درجة الماجستير في التربية من جامعة الأزهر، قبل أن يتوجه إلى مصر، حيث حصل على درجة الدكتوراة من جامعة عين شمس عام 2009. وعاد إلى غزة محمّلًا بالعلم، ليزرعه في عقول الأجيال.

تستذكر زوجته، جيهان شلدان (47 عامًا)، تفاصيل حياته بامتزاج الفخر والألم، قائلة: "لم يكن زوجًا فقط، بل كان قدوة في الخلق والإيمان، وإنسانًا مكافحًا بكل معنى الكلمة".

وتضيف لصحيفة "فلسطين": "كان متعلقًا بأرضه التي اشتراها في حي الزيتون ارتباط الروح بالجسد. كان يغادر الجامعة بعد أن يزرع العلم في طلابه، ثم يعود ليبدل بدلته الأنيقة بثياب بسيطة، ويتجه إلى أرضه يزرعها ويعتني بها، وكأنه يداوي تعب العلم بتراب الأرض".

جمع شلدان بين العمل الأكاديمي والتربوي، فكان معلمًا للفيزياء لطلبة الثانوية العامة في المدارس الحكومية، ومحاضرًا بنظام الساعات في عدد من جامعات غزة، أبرزها جامعة الأزهر وجامعة فلسطين والكلية الجامعية. وقد ترك أثرًا علميًا وتربويًا عميقًا في حياة مئات الطلبة الذين تتلمذوا على يديه.

رفض النزوح.. وثبات يشبه الجبال

مع اندلاع الحرب، لم يكن الدكتور شلدان مجرد ساكن في منزله، بل كان سندًا لعائلته وجيرانه. اتخذ قرارًا واضحًا برفض النزوح، وكان يحث من حوله على الثبات والصمود في أرضهم، كما تقول زوجته، التي تضيف: "دُمّر منزلنا الذي بناه حجراً فوق حجر بعرق عمره، وبقيت ذكرياتنا تحت الركام".

وتتابع: "حتى في أقسى الظروف، حين كان كل شيء ينهار من حولنا، كان يمنحنا الطمأنينة بابتسامته. كان يقول لي: إن الثبات في الأرض هو أسمى درس يمكن أن نقدمه لأبنائنا وللأجيال. وقد عاش هذا القول حتى اللحظة الأخيرة".

ترك الدكتور شلدان خلفه أسرة مكونة من خمسة بنات وابن واحد. وتروي زوجته عن ابنتهما مريم، الطالبة في كلية الطب، قائلة: "كان ينتظر تخرجها بفخر كبير، وكان يرى فيها حلمه الذي يتحقق. كان أبًا حنونًا، لا يقصّر في تلبية احتياجات أبنائه رغم كل الظروف".

اللحظات الأخيرة

كان المسجد جزءًا أساسيًا من يومه، ولم يتخلَّ عن صلاة الجماعة حتى في ظل الحرب. وفي 12 مايو/أيار 2025، وبعد أن أدى صلاة الجماعة في أحد مراكز الإيواء قرب منزله، وبينما كان يهمّ بالمغادرة، استهدفه صاروخ مباشر أنهى حياته، ليرتقي شهيدًا في لحظة كان فيها بين العبادة وخدمة الناس.

رحل شلدان، لكن حضوره بقي في قلوب طلابه وجيرانه وعائلته. خسرت غزة أكاديميًا ومربيًا، لكن سيرته بقيت شاهدًا على نموذج الإنسان الذي جمع بين العلم والانتماء والثبات.

وسيظل الدكتور أنور شلدان قنديلًا في ذاكرة حي الزيتون، رغم أن الإبادة أطفأته جسدًا، لكنها لم تستطع أن تطفئ أثره ولا إرثه العلمي والإنساني.



 

اخبار ذات صلة