فلسطين أون لاين

العدوان الصهيوأمريكي على إيران: بين أراجيف المرجفين ويقين المؤمنين

في شهر الله الكريم، شهر رمضان المبارك، وفي 28 من شهر فبراير/شباط 2026، بدأت العمليات الصهيوأمريكية على إيران في حملةٍ عسكرية صليبية وُصفت بأنها الأضخم في المنطقة منذ عقود. أطلقت عليها إسرائيل اسم (زئير الأسد)، وأسمتها أمريكا (الغضب الملحمي)، في حين أطلقت عليها إيران اسم (الوعد الصادق 4).

انطلقت الحرب بضربات جوية استباقية واسعة النطاق استهدفت مواقع استراتيجية، في حملة أراد لها المحتلون أن تكون نزهة عسكرية تُسقط النظام وتُذل الأمة، وترسخ شرقًا أوسط جديدًا تسوده ديانة مزيفة باسم الإبراهيمية، وتطبيع مذل، لتقضي على ما تبقى من الإسلام وآمال المسلمين في تحرير بيت المقدس. لكنها تحولت - بمشيئة الله ويقين المؤمنين - إلى ملحمةٍ من الصمود أعادت كتابة قواعد الاشتباك في المنطقة، وأثبتت أن المعادلات التي ظن الغرب أنها محسومة لم تكن سوى أوهام سرعان ما تبددت تحت وطأة الحقائق الميدانية.

استمرت هذه المواجهات العنيفة لمدة أربعين يومًا متتالية، قبل أن تدرك أمريكا أنها فقدت بوصلة التحكم، وأنها أخطأت في اختيار الهدف؛ فإيران ليست كالعراق، ولا تشبه ليبيا ولا سوريا، ولا أيًّا من دول المنطقة التي لا تملك من معاني الشرف والكرامة سوى الخضوع المطلق للغول الأمريكي والكلب المسعور إسرائيل. فإيران المحاصرة منذ أكثر من أربعة عقود كانت في استعداد تام وعدة كافية لردع العدوان، وعوامل ردع فرضت على الآخر إعلان الاستسلام ووقف إطلاق النار تحت مسمى هدنة دخلت حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان 2026، من أجل الجلوس على طاولة المفاوضات التي أدارتها باكستان بحيادية ونجاح بين أمريكا وإيران.

وللعودة إلى الحرب، نعرج على أهداف العدوان، حيث أعلن عنها ترامب في بداية الحرب، والتي تتلخص في: إسقاط النظام، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي، وإعادة ابن شاه إيران المخلوع إلى الحكم. كانت هذه هي الأهداف المعلنة للعدوان، لكن التأمل العميق يكشف أن الأهداف الحقيقية كانت أكثر تعقيدًا مما أعلنوه، وأقل منطقية مما تصوروه.

كان المشروع العدواني يقوم على ثلاث ركائز واهية: إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، وتدمير القدرات النووية والصاروخية بشكل كامل، وإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وإعلان التطبيع على جميع الدول تمهيدًا لإعلان دولة إسرائيل الكبرى، واستيلاء أمريكا على نفط المنطقة والتحكم فيه دون منازع.

وفي خضم الأيام الأولى للحرب، ارتفعت أصوات المرجفين، كعادتهم في كل محنة تمر بالأمة، معظمين القوة الأمريكية، ومستبعدين إمكانية مجابهتها، ومستخفين بقدرات إيران ومحور المقاومة. في حين راحت قنواتنا العبرية في دولنا العربية، والخليجية بشكل خاص، تزف بشائر الضربات الصهيوأمريكية على المدن الإيرانية ومنشآتها الحيوية.

وتنوعت أصواتهم في ذلك؛ فمنهم من بشر بانهيار وشيك للنظام خلال أيام، ومنهم من راهن على تخاذل الحلفاء، ومنهم من صدّق وعود القوة الأمريكية الزائفة، ومنهم من روّج أن المقاومة مجرد واجهة إعلامية لا طائل من ورائها.

لكن الله أظهر صدق وعده للمؤمنين الصابرين الذين قال عنهم: "الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

وهكذا كانت أصوات المرجفين تصدح في الخارج، بينما كان المؤمنون يزدادون إيمانًا ويقينًا بأن العاقبة للتقوى، وأن الصبر والثبات مفتاح النصر، وأن نصر الله آتٍ لا محالة لمن كان على الحق: (لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

فلم يكن صمود إيران وليد الصدفة أو الحظ، بل كان ثمرة عقيدة راسخة بأن النصر مع الصبر، وأن التمسك بفلسفة المقاومة في مواجهة العدو انتصار بحد ذاته. وفي مشهد مهيب يجسد صدق الله مع عباده المؤمنين، أثبتت إيران أن الإرادة الصلبة والعقيدة الراسخة قادرة على هزيمة أقوى الترسانات العسكرية.

لقد غيرت الحرب قواعد الاشتباك في عالم لم يعد يحتمل المعادلات التقليدية. فقد أظهرت التجربة أن "اقتصاديات الحرب" قد تحولت رأسًا على عقب؛ فلم تعد المنظومات الدفاعية الباهظة الثمن قادرة على مواجهة هجمات المسيّرات منخفضة التكلفة بشكل مستدام. وفي مشهد مهيب، تحولت التكنولوجيا الإيرانية الزهيدة إلى كابوس يطارد أقوى الأساطيل، وأثبتت الصواريخ الباليستية الإيرانية أنها أكثر قدرة على المناورة والوصول مما تصوره المخططون.

ولعل أبرز مشاهد الملحمة كان حين أظهرت إيران قدرتها على استبدال قيادتها بسرعة وتماسك، بعد أن ظن العدو أن الاغتيالات ستهز أركان النظام، فتنهار المؤسسات فريسةً بأيدي الشعب. لكن، وفي مشهد يعكس عمق المؤسساتية والثقة بالنفس ووعي الشعب الإيراني، تم انتخاب القيادة الجديدة في أيام معدودة، مما أفشل الرهان على الفراغ القيادي، وأظهر أن النظام مبني على مؤسسات راسخة وليس على أشخاص.

ومع تقدم المعارك، بدأت الكفة تميل بشكل غير متوقع. فالعدوان الذي ظن القائمون عليه أنه سيكون حربًا خاطفة تحول إلى مستنقع استنزاف مكلف. وأظهرت الأرقام أن تكلفة الحرب على المعتدين كانت أضعاف ما كانت عليه على إيران.

 

وما عاد المشهد كما كان في حروب سابقة؛ فالساحة أصبحت أكثر تعقيدًا، والمعادلات لم تعد تحتمل الردود التقليدية. وفي تحول دراماتيكي، أغلقت إيران مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.

ولم يكن هذا الإغلاق مجرد خطوة عسكرية، بل كان رسالة واضحة بأن إيران تمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأن أي عدوان عليها سيكون له تبعاته على كل أسواق العالم. ارتفعت الأسعار، وبدأت بوادر الأزمة الاقتصادية تطل برأسها في عواصم الغرب، مما جعل الاستمرار في الحرب مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا للقادة الغربيين.

كما أن دخول أنصار الله في اليمن على خط المواجهة إلى جانب إيران، وتهديدهم بإغلاق باب المندب، زاد الوضع تعقيدًا أكثر، ووضع أمريكا أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مر: إما الاستمرار في حرب خاسرة، أو الاستسلام.

وقد وجد ترامب نفسه مضطرًا للتوسل للجلوس على طاولة المفاوضات بعد أن وعد ناخبيه بـ(النصر الكامل). لقد تحول مسار الأحداث لتأتي المفاوضات تحت شروط إيرانية واضحة، حيث تم تأجيل الملف النووي إلى مرحلة ثانية، وتم استبعاد مناقشة ملف الصواريخ الإيرانية، كما تم ربط وقف الحرب بملفات إقليمية أخرى، في مقدمتها الساحة اللبنانية، مما أفشل المشروع الصهيوني الذي كان يطالب بتفكيك البرنامج النووي نهائيًا وعزل ملف لبنان عن المفاوضات.

حتى إنه لم يتردد في وصف الاتفاق بأنه كارثة سياسية وأمنية، وفشل استراتيجي للقوى العظمى التي اعتادت أن تملي شروطها.

بعد مئة يوم من إعلان تلك الحرب الظالمة، كانت إيران هي المنتصرة. ففي الميدان كانت صاحبة الضربة الأخيرة، وفي التفاوض كانت صاحبة القرار، تتفاوض من موقف القوة لا من موقف ضعف، وتشترط ولا تُفرض عليها الشروط.

هذا التحول - من عدو يُحاصَر إلى ندّ يُتفاوض معه بشروطه - كان أعظم انتصار سياسي حققته إيران في العقود الأخيرة، أعاد توزيع نفوذ القوى في المنطقة، وطوى عقودًا من الهيمنة الأمريكية.

هذه الحرب تحمل في طياتها دروسًا بالغة الأهمية للأمة جمعاء. فالنصر ليس بكثرة العدد أو العتاد، بل بالصبر واليقين والتمسك بالحق، كما قال تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

لقد أثبتت المقاومة الإيرانية أن التمسك بالمبادئ وعدم الانكسار أمام الإغراءات والتهديدات هو الطريق إلى النصر الحقيقي. كما أكدت الحرب أن الأمن لم يعد مفهومًا محليًا أو إقليميًا، بل أصبح مرتبطًا بشبكة معقدة من المصالح العالمية.

إغلاق مضيق هرمز كشف هشاشة الاقتصاد العالمي أمام إرادة مقاومة واحدة، وهذا درس ينبغي أن تستوعبه الأمة في كل مفاصلها الاستراتيجية.

في ختام هذه الملحمة التي سطرتها إيران بصمودها ويقينها، نعود إلى حقيقة أثبتها التاريخ في كل محطاته: أن العاقبة للمتقين الصابرين، وأن وعد الله حق لا يتخلف: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، و(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).

وتبقى هذه الحرب علامة فارقة في التاريخ؛ ففيها تجلت آيات الله في نصرة المؤمنين، وفيها انكشف زيف القوة الغاشمة أمام إرادة شعب آمن بالله ووكل أمره إليه.

إنها دعوة لكل مؤمن أن يتمسك بيقينه، وألا يبالي بأصوات المرجفين، وأن الثبات على المبادئ والتمسك بالحق، والإخلاص لله والدين والشعب، هو مفتاح النصر في كل معركة.

المصدر / فلسطين أون لاين