فلسطين أون لاين

رسالة قرآنية من محرقة غزة

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾العصر (1–3)

عامٌ يمضي… وغزة لا تتوقف

حين ينقضي عامٌ من عمر الزمن، لا تُغلق صفحة عابرة، بل تنكشف طبقات أعمق من المعنى؛ فالحياة ليست خطًا مستقيمًا من الإنجاز، بل مسارٌ متعرّج من البناء والمراجعة والتصحيح، تتداخل فيه الخطوات مع التأمل، ويتشابك فيه التقدم مع إعادة النظر، في رحلة لا يحدّها إلا توقف السعي نفسه.

إن العمل الإنساني، فرديًا كان أو جماعيًا، ليس اندفاعًا أعمى نحو الغاية، بل هو أشبه بقافلةٍ كبرى تشق طريقها في فضاءٍ ممتد، تمضي بثبات، لكنها لا تنفصل لحظة عن وعيها بذاتها. فكل خطوةٍ إلى الأمام تستدعي وقفةً واعية، لا للنكوص، بل لقراءة المسار من علٍ، واكتشاف ما قد يختبئ في التفاصيل من خللٍ أو انحرافٍ أو نقصٍ صامت، قد لا يُرى أثناء الحركة، لكنه يتضخم إن تُرك بلا علاج.

ومن هنا تتجلى قيمة التخطيط حين يقترن بالرقابة، وقيمة التنفيذ حين يُحاط بالتقييم، وقيمة الفكرة حين تُختبر على أرض الواقع لا في فضاء التصورات. فالمشاريع الكبرى لا تُبنى على الحماسة وحدها، بل على هندسة دقيقة تُراجع ذاتها باستمرار، كمن ينحت في الصخر ثم يتراجع خطوة ليتأمل الأثر، فيُصلح ما اعوج، ويقوّم ما انحرف، ويعيد تشكيل ما لم يكتمل بعد.

وفي قلب هذا المسار، لا تكون الأخطاء نهاية الطريق، بل بدايات وعيٍ جديد. فهي ليست لعنةً تلاحق السائرين، بل إشارات إنذار في دربٍ طويل، تكشف مواطن الضعف وتدفع إلى إعادة التوازن. غير أن هذا الإدراك لا يكتمل إلا حين يُفصل بين النقد البنّاء الذي يُصلح، وتتبع العثرات الذي يهدم؛ فبينهما مسافة أخلاقية دقيقة، بها تُصان المسيرة أو تُشوَّه.

ومع انقضاء عامٍ مضى، تتجلى الحقيقة الكبرى: أن الزمن ليس خصمًا للإنسان، بل معلمٌ صارم لا يُجامل الغافلين. فهو لا يترك أحدًا في مكانه، بل يدفع الجميع إلى مراجعة ذواتهم: ماذا أُنجز؟ ماذا أُهمل؟ أين أصبنا؟ وأين أخطأنا؟ فيتحول العام إلى مرآةٍ كاشفة، تُظهر المسافة بين الطموح والواقع، وبين الخطة وما تحقق منها على الأرض.

وهكذا يصبح الانتقال من عامٍ إلى آخر ليس مجرد تبدّلٍ في التقويم، بل عبورًا وجوديًا من حالةٍ إلى أخرى، ومن وعيٍ إلى أعمق منه، ومن تجربةٍ أولى إلى خبرةٍ أكثر رسوخًا. فالحياة التي لا تُراجع ذاتها تتآكل بصمت، أما التي تقف عند محطاتها بوعيٍ وصدق، فهي وحدها القادرة على الاستمرار بثبات.

وفي نهاية هذا الامتداد، تبقى الحقيقة الأشد وضوحًا: أن البناء الحقيقي لا يقوم على السرعة، بل على الإتقان؛ ولا على كثرة الحركة، بل على دقة الاتجاه؛ وأن قيمة الإنسان والأمة لا تُقاس بما قطعته من مسافة، بل بما اكتسبته من وعيٍ في الطريق.

وحين يُطوى عامٌ ويبدأ آخر، لا يبقى إلا سؤالٌ واحد يواجه الوعي دون مواربة: هل صرنا أكثر فهمًا، وأكثر صلابةً، وأكثر صدقًا مع ذواتنا؟ فالإجابة وحدها هي التي تحدد إن كان القادم امتدادًا واعيًا لما مضى، أم بداية مسارٍ أعمق وأشد حضورًا في المعنى.

ومع إشراقة الأول من مُحرَّم، تتعالى الأكف إلى السماء أن يكون عامًا يحمل لغزة الغوث بعد الشدة، والفرج بعد الكرب، والنصر بعد طول انتظار، وأن يُبدل الله فيه الخوف أمنًا، والحزن سكينة، والحرمان عطاءً من واسع فضله. نسأله سبحانه أن يجبر القلوب المنكسرة، ويحقق الآمال المؤجلة، ويقرّب الخير، وأن يجعل هذا العام محطةً للتجدد والثبات والعمل الصالح، تُستعاد فيه الكرامة وتُرفع فيه المعاناة، وتزهر فيه بشائر الرحمة والتمكين.

كل عام وأنتم بخير… عامٌ مباركٌ بالخير والبركة والطمأنينة. آمين يا رب العالمين.

المصدر / فلسطين أون لاين