قائمة الموقع

بأخشاب متآكلة ومواد نادرة.. حِرَفيون يُعيدون الحياة إلى قوارب الصيد

2026-06-16T11:37:00+03:00
جيش الاحتلال قد دمّر 95 بالمئة من قطاع الصيد البحري بغزة
فلسطين أون لاين

ما إن أطلَّ الصباح حتى شقَّ مصطفى مقداد طريقه إلى ورشة صغيرة بمحاذاة ميناء الصيادين، غرب مدينة غزة، وتحت سقفها المصنوع من النايلون تلسعه حرارة الشمس، بدأ يومًا جديدًا من العمل إلى جانب عدد من الحرفيين والعمال.

ارتشف رشفةً من كوب شاي ساخن، ثم أمسك أدواته البسيطة وشرع في ترميم قارب صيد أنهكته السنوات، وخلفت الحرب في هيكله ندوبًا وثغراتٍ عميقة، في محاولةٍ لإعادته إلى البحر من جديد.

"نحن لا نملك المواد والإمكانات الكافية، لكننا نحاول إعادة الحياة إلى الميناء"، قال مقداد لصحيفة "فلسطين"، وهو يتكئ على قاربٍ نهشه القصف الإسرائيلي.


 

ففي خضمّ حرب الإبادة التي اندلعت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي على الأحياء السكنية وقتل المدنيين بدمٍ بارد، بل امتد ليطال قطاع الصيد، الذي يُشكّل مصدرًا أساسيًا للأمن الغذائي لأكثر من مليوني مواطن في القطاع الساحلي.

أما ميناء الصيادين، الذي كان يومًا متنفسًا للمواطنين ومرسى لقوارب الصيد والسياحة، فقد تحول إلى مقبرةٍ تغرق في أعماقه المئات منها بفعل القصف المباشر.

وفي إثر ذلك، فقد آلاف الصيادين القدرة على الإبحار وممارسة الصيد بحثًا عن قوت عائلاتهم، ولم يبق سوى عدد قليل من قوارب صغيرة تُعرف باسم "حسكة"، وهي مخصصة للصيد ويُجدّف بها الصياد بواسطة مجداف خشبي.

وهذا هو النوع من القوارب الذي يعمل مقداد وحرفيون على ترميم ما يمكن ترميمه. ويتطلب إنجاز هذه المهمة كمياتٍ وفيرة من سائل "البوليستر ريزن" ومادة الألياف الزجاجية "الفيبرجلاس"، وأنواعًا معينة من الأخشاب القادرة على تحمل ظروف البحر.

غير أن توفر هاتين المادتين نادرٌ جدًا، إذ يدرجهما الاحتلال الإسرائيلي ضمن المواد "ثنائية الاستخدام"، ويفرض قيودًا مشددة على إدخالهما، ليس إبّان الحرب فحسب، بل قبل اندلاعها أيضًا.

أما الأخشاب، فهي لا تتوفر بكثرة، ما يدفع العمال إلى انتشالها من بين ركام المنازل المدمرة.


 

يعترف مقداد بأن صناعة القوارب ليست بالأمر الهيّن، بل حرفة تتطلب الكثير من الوقت والخبرة والمهارات، وهو ما يجعله في طليعة الحرفيين القادرين على ممارستها رغم شحّ الإمكانات.

"صناعة القوارب ورثتها عن والدي (إبراهيم مقداد)، وبدأت العمل بها قبل 40 عامًا، وهي الشيء الوحيد الذي أستطيع ممارسته في هذه الظروف"، أضاف مقداد، الذي يعلو وجهه شاربٌ أبيض كثّ، يشي بسنوات طويلة من الخبرة والعمل الشاق.

ويعتمد مقداد في صناعة القوارب على قوالب كان قد جهزها وابنه عطية، في الثلاثينيات من عمره. وعندما يتشاركان في صناعة قارب جديد، يدهنان القالب بمادة عازلة، ثم يضعان الألوان المخصصة له، قبل أن يُضيفا المادتين الأساسيتين؛ "البوليستر ريزن" و"الفيبرجلاس".

وعندما يجفّ، يفصل الحرفيون القالب عن جسم القارب، ويُكملان مهمتهم وتجهيزه للإبحار.


 

أما المهمة الأصعب بالنسبة لهم، فتبدأ بحفّ القارب وإزالة النتوءات بأداة كهربائية مثبت في مقدمتها قرص معدني حاد يدور بسرعة عالية، يُعرف بـ"حجر الجلخ".

وعند استخدام هذه الأداة، تتطاير قطع من الألياف الزجاجية المتصلبة، وتخترق بشرتهم وأعينهم، تمامًا كما حصل مؤخرًا مع الحرفي مقداد، الذي استدعت إصابته في العين نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

لكن ذلك لم يمنعه من العودة إلى صناعة القوارب وصيانتها، بمساعدة نجله وأحفاده أيضًا، رغم قسوة بيئة العمل، ومخاطر محتملة قد تواجههم.

وخلال الحرب، استطاع عطية برفقة والده وحرفيين آخرين صنع عددٍ قليل جدًا من القوارب الجديدة، بفعل ارتفاع أسعار المواد الخام وندرتها. فبينما كان ثمن لتر سائل "البوليستر ريزن" يتراوح بين 60 و80 شيكلًا قبل الحرب، بلغ سعره بعدها ألف شيكل.

ويبلغ ثمن صناعة قارب جديد في ظل الحصار الإسرائيلي وندرة المواد نحو 50–60 ألف شيكل بعدما كان ثمنه قبل الحرب لا يتجاوز 2500 شيكلاً، وفق ما قاله عطية لـ"فلسطين"، وهو ما يفوق قدرة الصيادين.

لذلك، يلجؤون إلى ترميم قواربهم القابلة للصيانة بتكلفة أقل، لكنها ما تزال مرتفعة مقارنة بما كان عليه الحال قبل الحرب.


 

وكان جيش الاحتلال قد دمّر 95 بالمئة من قطاع الصيد البحري، وفق رئيس نقابة العاملين في قطاع الصيد زكريا بكر، في حين يواجه 4 آلاف صياد واقعًا مريرًا مع فقدان مصدر دخلهم الوحيد.

وقبل الحرب، كان عدد قوارب الصيد في غزة 2100 على الأقل، لم ينجُ منها سوى 200 فقط، وجميعها من القوارب الصغيرة "حسكة مجداف".

ويمتد عمل مقداد والحرفيين في ورشته حتى ساعات المساء، إذ إن شعوره بـ"القهر"، كما يقول، كلما رأى قاربًا صنعه بيديه مدمرًا، يدفعه لمواصلة عمله حتى يراه يمخر عباب البحر، ويعود محملاً بالأسماك.

"تغمرني السعادة عندما أرى قواربي تبحر من جديد، لكن أخشى أن تتعرض للتدمير مجددًا"، قال مقداد، وهو يشير إلى البحر حيث تستبيح الزوارق الحربية الإسرائيلية البحر، وتطلق نيرانها صوب قوارب الصيد.

وقتلت بحرية الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة أكثر من 230 صيادًا، واعتقلت 120 آخرين، بينهم 55 ما يزالوا رهن الاعتقال في سجون (إسرائيل).

اخبار ذات صلة