كان حسن محمد الأشقر (41 عامًا) يقضي أيامه بين خلايا النحل في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، منشغلاً ببناء مشروع صغير يعيل أسرته ويمنح أبناءه مستقبلاً أكثر استقرارًا. لكن الحرب بدّلت ملامح حياته بالكامل، فخسر منزله ومصدر رزقه، ثم استيقظ من تحت الأنقاض ليجد أن زوجته وأربعًا من بناته قد رحلن، في حين بدأت له ولطفليه الناجيين رحلة طويلة من العلاج والتعافي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
في زاوية هادئة من بيت لاهيا، لم تكن خلايا النحل التي امتلكها حسن مجرد مشروع اقتصادي، بل كانت جزءًا من حلمٍ عائلي بناه على مدار سنوات. يقول لصحيفة "فلسطين": "كل خلية كانت تحمل اسم أحد أبنائي، وكنت أشعر أنني أبني لهم مستقبلًا خليةً بعد أخرى، وكان ريع المشروع مخصصًا لتعليمهم وتحقيق أحلامهم".
لكن الحرب لم تترك لذلك الحلم فرصة للاستمرار. فبين ليلة وضحاها، دُمّر المنزل، وتحول مشروع تربية النحل إلى ركام، وتبددت تفاصيل الحياة التي اعتادت عليها الأسرة.
ومع اندلاع الحرب، اضطرت العائلة إلى النزوح من بيت لاهيا إلى منزل أهل زوجته في مخيم النصيرات بحثًا عن الأمان. وهناك حاول أفراد الأسرة التمسك بما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية رغم القصف المتواصل والخوف الدائم.
ويستعيد حسن تفاصيل الليلة الأخيرة التي جمعته بأسرته كاملة قائلاً: "كان الطقس باردًا بعد صلاة المغرب في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023. حاولنا أن نصنع أجواء تشبه حياتنا السابقة، وطلبت مني بناتي إعداد السحلب لهن، فقلت إنني سأصنعه بنفسي. كانت لحظة عادية جدًا، لكنها كانت الأخيرة".
وبعد دقائق قليلة، استهدفت طائرات الاحتلال المنزل الذي كانت العائلة تنزح فيه بصاروخين، فتحولت اللحظات الدافئة إلى مأساة قاسية.
لم يستفق حسن إلا بعد أيام داخل غرفة العناية المركزة. كانت ذاكرته غائبة، وجسده مثقلاً بالإصابات، فيما انخفض مستوى الهيموغلوبين لديه إلى 4.7. بدأ يسأل عمّن حوله عن سبب وجوده في المستشفى، ثم راح يبحث عن زوجته وأبنائه.
ويقول: "كنت أسأل عنهم باستمرار، وكانوا يخبرونني أنهم مصابون ويتلقون العلاج في مستشفى آخر. كانوا يمهدون لي الحقيقة تدريجيًا، حتى أخبروني باستشهاد زوجتي وأربع من بناتي ووالدَي زوجتي".
ويضيف بصوت يثقله الحزن: "رحلوا دون وداع أو نظرة أخيرة. لم أفقد أفرادًا من عائلتي فقط، بل فقدت جزءًا من روحي".
معاناة مستمرة
إلى جانب ألم الفقد، خاض حسن رحلة علاج طويلة امتدت خمسة أشهر بين المستشفى الإماراتي الميداني في رفح، ومستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ومستشفى العودة في مخيم النصيرات، خضع خلالها لـ23 عملية جراحية تحت التخدير الكامل.
وأدت إصابته إلى بتر قدمه اليسرى، فيما احتاجت يده اليمنى إلى تدخلات جراحية معقدة وتركيب صفائح معدنية، قبل أن يتمكن الأطباء من إنقاذها من البتر.
ولم تتوقف المعاناة عنده. فابنته سما (17 عامًا) أصيبت بجروح بالغة في الفخذ، وتحتاج إلى سلسلة من الإجراءات العلاجية وعمليات التجميل المتخصصة لمعالجة التشوهات والندبات التي خلفتها الإصابة.
أما ابنه محمد (9 أعوام)، فقد تعرض لإصابة معقدة أدت إلى انفجار المثانة واستئصالها جراحيًا، قبل أن يكتشف الأطباء لاحقًا وجود كسر وتهتك في عظم الحوض التأم بصورة خاطئة، ما يستدعي تدخلاً جراحيًا لتصحيح الحالة قبل بلوغه الثانية عشرة.
واليوم، يعيش حسن مع طفليه بين مواعيد العلاج والانتظار الطويل. وبينما تلتئم بعض الجروح الجسدية ببطء، تبقى الآثار النفسية حاضرة بقوة في حياة الأسرة الصغيرة، بعدما تركت الحرب ندوبًا عميقة في نفوس الناجين.
ويختتم حديثه قائلاً: "ننتظر استكمال العلاج ونحاول استعادة شيء من حياتنا. ربما تلتئم الجروح الظاهرة يومًا ما، لكن هناك أوجاعًا لا يراها أحد، فالفقد لا يغادر القلب".