في السياسة الإسرائيلية، لا تسقط القيادات فقط بسبب الهزائم العسكرية، بل بسبب انهيار السردية التي بنت شرعيتها عليها. وعندما تبدأ قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بالتساؤل بشأن جدوى الحروب المفتوحة، وحول كلفة المغامرات الأمنية، فإن الأزمة تنتقل من مستوى الأداء الحكومي إلى مستوى الشرعية السياسية نفسها.
المنشورات التي تتداولها بعض الأوساط الإسرائيلية، والتي تصف بنيامين نتنياهو بالمجنون وتحمّله مسؤولية اتساع دوائر المواجهة، ليست مجرد انفعالات عابرة، إنها مؤشر على تصدع متزايد داخل البنية الاجتماعية والسياسية الإسرائيلية. فالدولة التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها نموذجاً للردع والقوة، تجد نفسها اليوم أمام سلسلة من الجبهات المفتوحة، واستنزاف بشري واقتصادي ونفسي غير مسبوق.
السؤال الحقيقي ليس: هل يواجه نتنياهو أزمة سياسية؟ فهذا أصبح أمراً ظاهراً. بل هل يمكن أن تكون نهاية نتنياهو شبيهة بنهاية إسحاق رابين؟
من الناحية التاريخية، تبدو المقارنة مغرية، لكنها ليست متطابقة. فرابين سقط ضحية اغتيال سياسي نفذه متطرف يهودي رأى في مسار التسوية خيانة للمشروع الصهيوني، أما نتنياهو فيواجه خطراً من نوع آخر. إنه خطر التفكك التدريجي للتحالف الاجتماعي الذي حمله إلى السلطة، بمعنى أن التهديد لا يأتي من فرد يحمل مسدساً، بل من كتلة متنامية ترى أن الرجل أصبح عبئاً على الدولة نفسها.
المفارقة أن الشخص الذي بنى مجده السياسي على خطاب الأمن القومي، أصبح اليوم متهماً بتقويض الأمن القومي، وهذه من أقسى التحولات التي يمكن أن تصيب أي زعيم سياسي. فعندما تتآكل صورة القائد الحامي، وتتحول إلى صورة القائد المغامر، تبدأ عملية الانحدار الاستراتيجي.
لقد اعتمد نتنياهو طوال سنوات على ما يسميه علماء السياسة الغربية «إدارة الأزمات الدائمة»، أي تحويل حالة الطوارئ إلى أداة حكم مستمرة. وكانت الفكرة تقوم على إقناع المجتمع بأن بقاء الخطر الخارجي يستدعي بقاء القيادة نفسها، لكن هذه المعادلة تنجح فقط عندما تكون كلفة الأزمات أقل من كلفة التغيير. أما عندما تصبح الأزمات نفسها مصدر الخطر، فإن المعادلة تنقلب على صاحبها.
الأخطر من ذلك أن الحرب الحالية كشفت هشاشة ما كان يعرف بـ«بوتقة الصهر» الإسرائيلية، ذلك المفهوم الذي قام على دمج المهاجرين والتيارات المختلفة في هوية قومية موحدة. اليوم تظهر الانقسامات بصورة أكثر حدة بين العلمانيين والمتدينين، وبين الأشكناز والشرقيين، وبين اليمين القومي والتيارات الليبرالية، وبين المركز والأطراف.
هذه ليست خلافات عابرة، بل تصدعات بنيوية تمس العقد الاجتماعي ذاته. ولذلك فإن الحديث عن نتنياهو لم يعد مقتصراً على شخصه، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول طبيعة الدولة ومستقبلها.
في الأدبيات الغربية، يطلق على هذه الحالة مصطلح «أزمة التماسك الوطني»، وهي المرحلة التي تفقد فيها النخب السياسية قدرتها على إنتاج إجماع جامع. وكلما طال أمد الحروب واتسعت دوائر الخسائر، ازداد احتمال انتقال الانقسام من المجال السياسي إلى المجال المجتمعي.
نتنياهو حاول دائماً إدارة هذه التناقضات عبر صناعة عدو خارجي دائم، لكن المشكلة أن تعدد الجبهات لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد المجتمع، بل قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة عندما يشعر المواطن أن الدولة فقدت قدرتها على تحديد أهداف واضحة للحرب أو رسم مخرج سياسي منها.
هنا تبرز المقارنة مع رابين بصورة مختلفة؛ فرابين اغتيل لأن جزءاً من المجتمع الإسرائيلي اعتبره متساهلاً أكثر من اللازم، أما نتنياهو فقد يخرج من المشهد لأن جزءاً متزايداً من المجتمع يراه متشدداً أكثر من اللازم، أو مغامراً أكثر من اللازم، أو عاجزاً عن تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي.
وفي هذا تكمن المفارقة الكبرى؛ فكلا الرجلين واجه تمرداً داخل المعسكر الإسرائيلي نفسه، لكن من اتجاهين متعاكسين. واللافت أيضاً أن المؤسسة الأمنية، التي شكلت تاريخياً العمود الفقري للدولة، بدأت تشهد نقاشات حادة حول إدارة الصراع وحول حدود القوة العسكرية. وعندما تتسع الفجوة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، فإن ذلك يمثل أحد المؤشرات الكلاسيكية على بداية مرحلة ما بعد الزعيم.
ومع ذلك، فإن الحديث عن رحيل نتنياهو لا يعني بالضرورة نهاية التيار الذي يمثله، فالتحولات التي قادت إلى صعود اليمين الإسرائيلي ما زالت قائمة. لكن سقوط الزعيم غالباً ما يكون محاولة من النظام لإعادة إنتاج نفسه عبر تحميل شخص واحد مسؤولية الإخفاقات المتراكمة.
لهذا قد يكون نتنياهو أمام معضلة تاريخية؛ فإذا استمرت الحروب، توسعت دائرة الغضب الداخلي، وإذا توقفت دون تحقيق أهداف حاسمة، فسيواجه اتهامات بالفشل. وبين هذين المسارين تتآكل المساحة السياسية التي تحرك فيها لعقود.
لذلك فإن السؤال ليس إن كان نتنياهو سيرحل بالطريقة نفسها التي رحل بها رابين، فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، بل السؤال الأهم هو ما إذا كانت إسرائيل تدخل مرحلة مشابهة من الصراع الداخلي العميق الذي يجعل بقاء أي زعيم أمراً بالغ الصعوبة.
عندما تصل المجتمعات إلى نقطة تفقد فيها الثقة بالرواية المؤسسة للدولة، فإن الأزمة تتجاوز الأشخاص، وعندها يصبح سقوط القادة مجرد عرض من أعراض أزمة أكبر. وربما تكون هذه هي اللحظة التي تقترب منها إسرائيل اليوم، حيث لم يعد الجدل يدور حول نتنياهو وحده، بل حول مستقبل المشروع الذي يدعي تمثيله بأكمله.

