فلسطين أون لاين

استشهد في قصف إسرائيلي

رفعت العرعير.. أكاديمي حمل صوت فلسطين إلى العالم

...
الدكتور رفعت العرعير
غزة/ مريم الشوبكي:

في الأيام الأولى من حرب الإبادة على غزة، وبين أصوات القصف والنزوح والخوف التي اجتاحت المكان، كان الدكتور رفعت العرعير يجلس وسط عشرات النازحين داخل المنزل، يحاول أن يقتنص دقائق قليلة من الهدوء ليجري مقابلة مع وسيلة إعلام أجنبية، أو يكتب شهادة جديدة للعالم عن غزة.

تتذكر زوجته نسيبة العرعير، تلك اللحظات قائلة: "كان البيت مليئًا بالناس، والأطفال في كل مكان، لكن رفعت كان يحاول بكل ما يستطيع أن يوصل صوت غزة للخارج، كان يشعر أن هذه الحرب مختلفة عن كل الحروب السابقة".

ومنذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، لم يتعامل العرعير مع الحرب كحدث عابر، بل ككارثة ممتدة.

وتضيف زوجته لصحيفة "فلسطين": إنه كان يدرك مبكرًا أن القادم أصعب مما يتخيل الجميع، وكان يطلب تقنين الطعام والماء والاستعداد لفترة طويلة من المعاناة. ومع مرور الأيام، بدا أن تقديره كان أقرب إلى الواقع مما توقعه كثيرون.

ووفق تأكيدها، كان العرعير يكرر أن هذه الحرب ليست كسابقاتها، وأنها ستترك أثرًا غير مسبوق على غزة. هذا الإدراك المبكر انعكس على سلوكه داخل الأسرة، إذ بدأ منذ الأيام الأولى بتوجيههم نحو الاقتصاد في كل شيء، في وقت كان فيه الكثيرون ما يزالون يظنون أن الأمر لن يطول.

وتتابع حديثها: "كنا نعيش حالة إنكار في البداية، لكنه كان يرى المشهد أبعد منا جميعًا".

الصوت المستهدف

في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2023، استهدفت غارة إسرائيلية المنزل الذي كان يقيم فيه شمال غزة، فاستشهد مع شقيقه وزوجة شقيقه وابنهما، كما استشهدت شقيقته وأطفالها الأربعة وعدد من الجيران.

كانت زوجته قد غادرت المنزل المستهدف قبل أيام إلى مدرسة نزوح، ولم تكن تعلم أن تلك الخطوة ستكون الفاصل الأخير. "كنا في أماكن مختلفة وقتها، ولم نتخيل أن هذه هي النهاية".

WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.40.41 PM (1).jpeg
 

وتكمل قولها: "كنا نعيش حالة خوف دائمة، خصوصًا بعد استهداف الأكاديميين والصحفيين وكل من يحاول نقل الحقيقة. كان واضحًا أن الصوت أصبح هدفًا".

وتؤكد أن صوت زوجها الراحل كان مزعجًا للاحتلال لأنه نجح في مخاطبة العالم بلغته، ونقل الرواية الفلسطينية بوضوح وجرأة: "لم يكن يكتب لغزة فقط، بل للعالم كله. كان يعرف كيف يصل إلى الجمهور الغربي".

النشأة والمسيرة التعليمية

ولد رفعت العرعير عام 1979 في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، ذلك الحي السكني الذي ظل يحمل له انتماءً خاصًا طوال حياته. منذ سنواته الدراسية الأولى، برز تفوقه الأكاديمي، حيث حصل على معدل 91 بالمئة في الثانوية العامة، وكان الأول على رفع الأدب.

التحق بالجامعة الإسلامية في غزة لدراسة الأدب الإنجليزي، وتخرج متفوقًا على دفعته. لاحقًا، واصل مسيرته الأكاديمية في الخارج، فحصل على الماجستير من جامعة لندن، ثم أكمل الدكتوراه في الأدب الإنجليزي في ماليزيا.

WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.40.41 PM.jpeg
 

بعد عودته إلى غزة، عمل محاضرًا وأستاذًا في الجامعة الإسلامية، جامعًا بين البحث الأكاديمي والتدريس والعمل الثقافي.

تزوج العرعير عام 2002، ورُزق بستة أبناء؛ أربع بنات وولدان. تقول نسيبة إن حياته داخل الأسرة كانت مزيجًا من الجدية والمرح، رغم انشغاله الدائم بالكتابة والعمل الأكاديمي.

كان يحرص على تخصيص وقت لأطفاله، يأخذهم إلى البحر والرحلات، ويشاركهم تفاصيل يومهم. وتضيف زوجته نسيبة: "كان قريبًا جدًا من أبنائه، ويحرص على إدخال الفرح إلى حياتهم مهما كان مشغولًا".

أستاذ مختلف

داخل الجامعة، لم يكن العرعير أستاذًا تقليديًا، إذ تميز بأسلوب قريب من الطلبة، وباهتمامه بتطوير قدراتهم، خصوصًا في استخدام اللغة الإنجليزية كأداة لنقل القضية الفلسطينية إلى العالم.

عن ذلك تقول زوجته: إن "طلابه ظلوا على تواصل معه حتى بعد التخرج، يشكرونه على تأثيره في حياتهم الأكاديمية والمهنية، وعلى أسلوبه الذي جمع بين الصرامة والدعم الإنساني".

إلى جانب التدريس، كان العرعير كاتبًا وشاعرًا ومترجمًا ومحررًا، وقد عمل على نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، وشارك في مشاريع أدبية وثقافية مهمة، من بينها مشروع "لسنا أرقامًا"، وإشرافه على كتاب "غزة ترد" الذي تُرجم إلى لغات متعددة.

WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.40.42 PM (1).jpeg
 

كتب عشرات المقالات والقصائد باللغة الإنجليزية، وكان يرى أن مخاطبة العالم بلغته ضرورة سياسية وثقافية في آن واحد.

وبعد استشهاده، انتشرت قصيدته الشهيرة "If I Must Die" (إذا مت) على نطاق عالمي واسع، وترجمت إلى لغات عدة، ولحنت وغنيت في دول مختلفة، كما كُتبت أبياتها على جدران مدن أوروبية بينها برشلونة.

تميّز العرعير بقدرته على الجمع بين الثقافة الغربية والتجربة الفلسطينية، إذ عاش سنوات في الخارج وبنى شبكة علاقات أكاديمية واسعة، ما منحه قدرة على فهم الجمهور الغربي والتواصل معه بعمق.

تقول زوجته أيضًا: "كان يعرف كيف يفكر الآخر، وكيف يخاطبه، لذلك كانت كلماته تصل بسرعة وتأثيرها كبير".

حلم التغريبة

من أبرز المشاريع التي كان يعمل عليها قبل استشهاده، مشروع ترجمة مسلسل "التغريبة الفلسطينية" إلى اللغة الإنجليزية. رأت زوجته أن هذا المشروع كان الأقرب إلى قلبه، لأنه يُجسد ذاكرة الفلسطينيين ومعاناتهم عبر الأجيال.

تقول نسيبة: "كان قد أنجز جزءًا كبيرًا من العمل، لكن المشروع توقف بعد استشهاده".

اليوم، ترى أن استكمال هذا المشروع هو امتداد لحلمه، وتحاول أن تكمل ما بدأه، لكن الأمر يحتاج دعمًا وجهدًا كبيرين.

وبينما تؤكد نسيبة أن زوجها لم يكن مجرد أكاديمي أو كاتب، بل صوتًا حمل فلسطين إلى العالم بالكلمة، ترى أن إرثه ما يزال حاضرًا في طلابه وكتبه وأبنائه، وفي كل من تأثر بفكره ورسائله.

وختمت حديثها: "كان يؤمن أن الكلمة مقاومة، وهذا ما تركه لنا"

WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.39.30 PM.jpeg
WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.39.31 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين