على امتداد قرن كامل، لم تكن العلاقة بين العراق وفلسطين مجرد ملف سياسي عابر في أجندة الحكومات العربية، بل كانت علاقة نسجتها الجغرافيا والتاريخ والوجدان الشعبي في آن واحد. فمن بغداد التي حملت إرث الحضارات القديمة إلى القدس التي شكلت أحد أهم الرموز الروحية والسياسية في المنطقة، نشأت روابط عميقة تجاوزت حدود المصالح المؤقتة لتتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية للشعبين.
في مطلع القرن العشرين كانت المنطقة تعيش مخاضًا سياسيًا كبيرًا مع تراجع الدولة العثمانية وصعود النفوذ البريطاني والفرنسي. وفي تلك المرحلة بدأت فلسطين تدخل دائرة التحولات الكبرى مع تزايد الهجرة اليهودية المنظمة إليها في إطار المشروع الصهيوني الذي سعى إلى تأسيس وطن قومي لليهود. لم يكن العراق بعيدًا عن تلك التطورات، فقد تابع العراقيون باهتمام ما يجري في فلسطين، ورأوا في التحولات المتسارعة هناك مقدمة لتغيير عميق في موازين القوى داخل المنطقة.
وفي الوقت الذي كانت فيه فلسطين تشهد صراعًا متصاعدًا حول الأرض والهوية، كان العراق يحتضن واحدة من أقدم وأكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط. فقد عاش اليهود في بلاد الرافدين منذ قرون طويلة، وأسهموا في بناء الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. كانت الأسواق البغدادية تعج بالتجار اليهود، وكانت أسماؤهم حاضرة في عالم المال والأدب والفنون، ولم يكن يُنظر إليهم بوصفهم غرباء عن المجتمع العراقي، بل جزءًا أصيلًا من نسيجه المتنوع.
غير أن الأحداث التي شهدتها فلسطين منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بدأت تلقي بظلالها على الواقع العراقي. فكلما اشتد الصراع في فلسطين، ازدادت حساسية الموقف تجاه اليهود في البلدان العربية، رغم أن اليهودية كديانة والصهيونية كمشروع سياسي لم تكونا شيئًا واحدًا. وقد وجد كثير من اليهود العراقيين أنفسهم وسط معادلة معقدة تجمع بين انتمائهم الوطني من جهة وتصاعد الخطاب الصهيوني الذي كان يستهدف استقطاب اليهود للهجرة إلى فلسطين من جهة أخرى.
ومع اقتراب عام 1948، كانت المنطقة بأسرها تقف على أعتاب مرحلة جديدة. إعلان قيام إسرائيل لم يكن مجرد حدث سياسي بالنسبة للعراقيين، بل لحظة مفصلية أعادت رسم الوعي الشعبي تجاه فلسطين. شارك الجيش العراقي في الحرب إلى جانب الجيوش العربية الأخرى، وسقط جنود عراقيون على الأرض الفلسطينية، في حين تحولت القضية الفلسطينية إلى عنوان رئيسي في الخطاب الوطني والقومي العراقي لعقود طويلة.
في تلك الأثناء بدأت أوضاع اليهود العراقيين تتغير بصورة دراماتيكية. فالتوترات السياسية والأمنية المتصاعدة، إلى جانب نشاط المنظمات الصهيونية، دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى مغادرة العراق خلال الخمسينيات. وبرحيلهم خسر العراق شريحة مهمة من مكوناته الاجتماعية والثقافية، بينما استفادت إسرائيل من الخبرات والكفاءات التي انتقلت إليها ضمن موجات الهجرة الكبرى القادمة من البلدان العربية.
لقد شكلت تلك الهجرة واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في العلاقة غير المباشرة بين العراق وفلسطين. فاليهود العراقيون الذين كانوا يومًا جزءًا من المجتمع العراقي أصبحوا جزءًا من مجتمع جديد تشكل على أرض فلسطين التاريخية بعد قيام إسرائيل. ومن هنا تداخلت المسارات التاريخية بصورة معقدة؛ إذ لم يعد الحديث عن فلسطين يقتصر على الصراع العربي الإسرائيلي فحسب، بل امتد ليشمل مصير جماعات بشرية كاملة انتقلت من فضاء عربي إلى فضاء سياسي جديد فرضته التحولات الإقليمية.
وخلال العقود التالية بقيت فلسطين حاضرة بقوة في المشهد العراقي. فالعراق احتضن آلاف الفلسطينيين، وفتح لهم أبوابه في مجالات التعليم والعمل والإقامة، كما ظلت القضية الفلسطينية جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي. وفي المقابل نظر الفلسطينيون إلى العراق بوصفه أحد أبرز الداعمين لقضيتهم على المستويين الرسمي والشعبي.
لكن التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2003 فرضت واقعًا مختلفًا. فقد انشغل العراق بأزماته الداخلية وتحدياته الأمنية والسياسية، وتراجع حضوره الإقليمي مقارنة بمراحل سابقة. ورغم ذلك لم تغب فلسطين عن الوعي العراقي، إذ استمرت مظاهر التضامن الشعبي والسياسي مع الفلسطينيين، خاصة خلال الأزمات والحروب التي شهدتها الأراضي الفلسطينية.
وفي خضم المتغيرات الإقليمية المتسارعة، عاد التاريخ ليطرح أسئلته القديمة بصيغ جديدة. فالعلاقات العراقية الفلسطينية لم تعد تتحرك في البيئة السياسية ذاتها التي عرفتها المنطقة في القرن العشرين. هناك تحالفات جديدة، ومشاريع إقليمية متنافسة، واتفاقيات تطبيع، وصراعات نفوذ تتجاوز حدود القضية الفلسطينية نفسها. ومع ذلك ما زالت الذاكرة المشتركة بين الشعبين تحتفظ بمكانتها الخاصة، وما زالت فلسطين بالنسبة لكثير من العراقيين قضية ترتبط بالهوية والوجدان أكثر مما ترتبط بالحسابات السياسية.