على عربةٍ صغيرة يجرّها بيديه في شوارع مدينة غزة، يقف ميسرة كحيل (35 عامًا) ساعات طويلة يبيع الفستق المحمّص، محاولًا تأمين قوت أسرته المكوّنة من ستة أفراد، بعد أن قلبت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة حياته رأسًا على عقب ودمّرت منزله في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
ومنذ نحو خمسة عشر عامًا، يعمل كحيل، على عربته البسيطة التي تتكوّن من موقد علوي لتحميص الفستق، وأسفلها شعلة نار تبقي الفحم مشتعلًا، إلا أن الحرب الجارية غيّرت تفاصيل العربة، بعدما أضاف إليها فوارغ رصاص وقذائف جمعها من محيط منطقة "زيكيم" -موقع عسكري يتبع لجيش الاحتلال الإسرائيلي- شمال غرب القطاع، لتتحول أدوات القتل إلى وسيلة للبيع ورسالة توثّق جرائم الاحتلال.
ساحة استهداف مباشر
يقول كحيل، لصحيفة "فلسطين" إنه عثر على فوارغ رصاص من عيار "250" و"500" إلى جانب "داخون"، وهو الجزء الخلفي من صاروخ يُستخدم لخروج اللهب والدخان، خلال توجهه إلى منطقة "زيكيم" انتظارًا لوصول شاحنات المساعدات الغذائية. هناك، شاهد مئات المواطنين يتجمعون أملاً بالحصول على الدقيق أو الطعام، قبل أن يتحول المكان إلى ساحة استهداف مباشر من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويؤكد أن قوات الاحتلال كانت تجبر سائقي شاحنات المساعدات على التوقف قرب الموقع العسكري، ثم تبدأ بإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر تجاه المواطنين المحتشدين، ما أدى إلى استشهاد مئات منهم وإصابة آلاف آخرين أثناء انتظارهم المساعدات وفق شهادات ناجين، كما اعتُقل عشرات الشبان الذين كانوا ينتظرون وصول الشاحنات الغذائية.
بعد عودته من المنطقة، حمل كحيل، بعض فوارغ الرصاص والقذائف، وغسلها ونظفها بعناية، ثم استخدمها في عمله اليومي.
فالرصاصة الكبيرة "500" تحولت إلى مكيال لتعبئة الفستق، بينما استُخدمت الرصاصة "250" لتجهيز الكميات الصغيرة للزبائن أما مؤخرة الصاروخ، فثبّتها أعلى العربة لتعمل كفتحة لخروج الدخان الناتج عن التحميص.
مخلفات عسكرية
ويشير كحيل، إلى أن استخدامه لتلك المخلفات العسكرية لم يكن بدافع الغرابة أو الزينة، بل محاولة لإيصال رسالة للعالم بأن هذه الفوارغ التي باتت جزءًا من عربته كانت تُستخدم في قتل الفلسطينيين واستهداف المجوعين قرب "زيكيم".
ويضيف: أن مشاهد الدماء والجثامين ما زالت تلاحقه، خاصة بعدما شاهد شبانًا يسقطون برصاص الاحتلال في أثناء محاولتهم الحصول على كيس دقيق يسد جوع عائلاتهم، مؤكدًا أن المنطقة تحولت خلال أشهر الحرب إلى واحدة من أكثر النقاط دموية شمال غرب غزة.
وخلال الحرب، نزح كحيل قسرا، أكثر من مرة بين مناطق القطاع، قبل أن يستقر مؤقتًا في خيمة بعد تدمير منزله بالكامل.
وعلى الرغم من الظروف القاسية، عاد لدفع عربته في شوارع غزة، محاولًا التمسك بمصدر رزقه الوحيد، في حين بقيت فوارغ الرصاص المعلقة على العربة شاهدة على ما جرى.
وبين رائحة الفستق المحمّص والدخان المتصاعد من عربته، يحاول كحيل، أن يروي حكاية مدينة أنهكتها الحرب، وأن يحوّل أدوات الموت التي خلفها الاحتلال إلى شهادة يومية على المجازر التي شهدتها غزة، خاصة في محيط "زيكيم" حيث امتزج انتظار الطعام بصوت الرصاص.