لم يكن فوزي سليمان أبو سويرح (61 عاماً) يتخيل أن صباح السابع والعشرين من يونيو/حزيران 2024 سيترك في جسده وذاكرته جراحاً لا تُمحى. ففي لحظة واحدة، تحول منزله في المحافظة الوسطى من ملاذ آمن لأسرته إلى هدف لصاروخ إسرائيلي مزق جدرانه وأصاب كل من بداخله، مخلفاً شهداء وجرحى وذكريات موجعة ما زالت تلاحق العائلة حتى اليوم.
كان فوزي من بين أكثر أفراد الأسرة إصابة في ذلك القصف، في حين فقدت العائلة إحدى بناتها التي استشهدت من جراء الاستهداف. وبينما كانت الأسرة تواجه صدمة الفقد، كان الأب يخوض معركة أخرى داخل غرف العمليات لإنقاذ ما تبقى من جسده.
يروي نجله محمد لصحيفة "فلسطين" تفاصيل تلك الأيام العصيبة قائلاً: "كانت حالة والدي صعبة جداً، لكن أكثر ما أثار دهشتنا أنه كان مدركاً لما جرى معه منذ اللحظات الأولى. فعندما استيقظ من العملية لم يكن بحاجة إلى من يخبره بأن قدمه اليسرى بُترت من أسفل الركبة، فقد أدرك ذلك بنفسه فور استعادة وعيه".
ولم يكن البتر الإصابة الوحيدة التي تعرض لها فوزي، إذ أصيبت قدمه اليمنى بإصابات بالغة شملت تمزقات في الأوتار والأعصاب، كما تسبب الانفجار في فقدانه جزءاً كبيراً من حاسة السمع بعد تعرض طبلة أذنه لثقب نتيجة شدة الضغط والصوت.

ويضيف محمد: "يعاني والدي حتى اليوم ضعفا شديدا في السمع، ويحتاج إلى عملية لترقيع طبلة الأذن، إلا أن هذا النوع من العمليات غير متوافر في قطاع غزة بسبب النقص الحاد في الإمكانيات والمعدات الطبية".
وخلال الأشهر التالية، تنقل فوزي بين غرف العمليات وأقسام العلاج، وخضع لسلسلة طويلة من التدخلات الجراحية. وأمضى خمسة أشهر كاملة في المستشفى قبل أن يُنقل إلى مركز متخصص لاستكمال برنامج التأهيل والعلاج الطبيعي، تمهيداً لتركيب طرف صناعي يساعده على استعادة جزء من قدرته على الحركة.
ويقول نجله: "الأطباء لم يوصوا بتحويله للعلاج في الخارج، إذ رأوا أن عمره وحالته الصحية لا يحتملان مزيداً من العمليات الجراحية المعقدة، لذلك كان عليه أن يتأقلم مع واقعه الجديد داخل غزة بما يتوفر فيها من إمكانيات محدودة".
وعلى الرغم من حصوله على طرف صناعي، فإن المعاناة لم تنتهِ، إذ لم يكن الطرف بالمستوى المطلوب، وتعرض للكسر أكثر من مرة، ما اضطر الأسرة إلى إصلاحه بوسائل بدائية.
ويشرح محمد: "انكسر الطرف الصناعي عدة مرات، فكنا نحاول إصلاحه بطرق بسيطة، أحياناً باستخدام الجبص، وأحياناً أخرى عبر صهر البلاستيك بالحرارة حتى يتمكن والدي من استخدامه مجدداً".
لكن ما يميز قصة فوزي ليس حجم الإصابة فحسب، بل الطريقة التي واجه بها محنته. فبدلاً من الاستسلام للألم، تمسك بالحياة وبحث عن أسباب جديدة للاستمرار.
ويقول نجله: "كان راضياً بقضاء الله وقدره بصورة لافتة. هذا الرضا ساعده على تجاوز مراحل صعبة من العلاج، وجعله يتعافى نفسياً بشكل أسرع مما توقع الأطباء. كان يردد دائماً أن الإنسان ما دام حياً فعليه أن يواصل حياته".
ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ فوزي يستعيد علاقته القديمة بالأرض. فالرجل الذي أمضى سنوات عمره في الزراعة لم يستطع الابتعاد طويلاً عن التربة التي أحبها. عاد إليها بخطوات حذرة مستنداً إلى طرفه الصناعي، لكنه عاد بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين.
ويصف محمد تلك العودة قائلاً: "الأرض بالنسبة لوالدي ليست مجرد مصدر رزق، بل جزء من روحه. وما إن تمكن من الحركة حتى عاد إلى قطعة الأرض المجاورة لمنزلنا، وبدأ العمل فيها من جديد رغم الألم".
وحوّل فوزي جزءاً من أرضه إلى بيت زراعي صغير، وشرع بزراعة البندورة والفلفل، مستعيداً شيئاً من تفاصيل حياته التي حاولت الحرب انتزاعها منه. وبينما يواصل مواجهة تحديات الإعاقة وضعف السمع ومحدودية الخدمات الطبية، يجد في كل شتلة يغرسها رسالة صمود جديدة.
لم تستطع الإصابة أن تعيد إليه ساقه المبتورة، ولم تداوِ وجع فقدان ابنته، لكنها فشلت في اقتلاع تعلقه بالحياة. وبين صفوف المزروعات التي يرعاها كل يوم، يواصل فوزي كتابة حكاية انتصار هادئة، عنوانها الإرادة والأمل.

