تنذر عملية اختراق إلكتروني طالت بيانات المستفيدين من برنامج الأغذية العالمي ووصولها لجهات غير مخولة، بمخاطر عالية من التداعيات الإنسانية والإغاثية والأمنية داخل قطاع غزة الذي يتعرض لإبادة جماعية إسرائيلية للعام الثالث.
وأحدثت عملية الاختراق ووصول البيانات الشخصية الحساسة المرتبطة بنحو 600 ألف من المسجلين في البرنامج التابع للأمم المتحدة لأجل الحصول على الدعم الغذائي والإغاثي، حالة من الغضب والقلق بين الأسر الغزية، ولا سيما بعد معلومات تفيد بوصول البيانات إلى جهات غير مخولة.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي (WFP) تعرض نظام التسجيل الذاتي للمستفيدين في الأراضي الفلسطينية لاختراق إلكتروني أتاح وصولا غير مصرح به إلى بيانات شخصية لـ600 ألف من مستفيدي المساعدات الإنسانية في غزة، مشيرا إلى أنه اكتشف الحادثة خلال شهر مايو/ أيار الماضي وباشر فوراً في إجراءات احتواء الاختراق والتحقيق في أسبابه وحجمه بالتعاون مع جهات متخصصة في الأمن السيبراني.
وتشمل البيانات المسربة، بحسب البيان، أسماء المستفيدين وأرقام الهوايا والهواتف والأماكن وبعض معلومات التسجيل الخاصة بالمساعدات الغذائية والنقدية، داعيا المستفيدين إلى الحذر من أي رسائل أو اتصالات مشبوهة قد تستغل البيانات المسربة.
ودفع ذلك ناشطي ومؤسسات حقوقية للمطالبة بإجراء تحقيق عادل يكشف حجم التداعيات واتخاذ الخطوات الرسمية اللازمة.
تداعيات إنسانية
وعبرت الأرملة نسرين عزام (27 عاما) بغضب عن "الخبر الصادم" الصادر عن برنامج الأغذية العالمي، وتساءلت: "كيف تحدث عملية اختراق كبيرة داخل مؤسسة أممية؟".
واستحضرت أرملة شهيد وأم لطفل (عامين) حصولها على مساعدة نقدية بقيمة 1250 شيقل من برنامج الأغذية بداية العام الجاري، وبعد أيام، تواصل معها إلكترونيا أحد الأشخاص المجهولين الذي عرف عن هويته بأنه يعمل في البرنامج وأن اتصاله بهدف تحديث البيانات.
وتقول لصحيفة "فلسطين": استجبت لطلباته وأسئلته – لكونه قدم بعض المعلومات الصحيحة عن هويتي – لكن سرعان ما اكتشفت أنها عملية احتيال إلكتروني توجت بسرقة المساعدة المالية التي حصلت عليها من برنامج الأغذية العالمي.
وتضيف عزام: "لقد كنت إحدى الضحايا لهذه المعلومات.. فكيف يتم تسريب بيانات 600 ألف مواطن في غزة"، داعية المواطنين إلى الحذر من التواصل الإلكتروني أو الهاتفي خشية تعرض أموالهم في حساباتهم المالية للقرصنة.
في المقابل، يتخوف الحاج عبد الله الزمر (60 عاما) من استغلال البيانات العائلية في عمليات انتحال شخصية أو احتيالات مالية تمس خصوصية المواطنين وأمنهم الشخصي والعائلي.
ويستذكر في حديثه لـ"فلسطين" عمليات اغتيال إسرائيلية خلال الشهور الماضية لمواطنين في أثناء توجههم لاستلام المساعدات الغذائية، جازما أن من يقف وراء اختراق بيانات برنامج الغذاء العالمي هو الاحتلال الإسرائيلي وأجهزته الأمنية.
وألقى بالعتاب على المؤسسة الأممية التي حصلت على بيانات هائلة من سكان غزة مقابل منحهم مساعدات غذائية وقف الإبادة الإسرائيلية، والآن تعلن عن تعرض تلك البيانات للاختراق.
وطالب المواطن النازح من غزة إلى مخيم إيواء في مخيم النصيرات وسط القطاع، إدارة برنامج الأغذية العالمي بالوقوف على مسؤولياتها وتحمل التداعيات الإنسانية والأمنية المترتبة على ذلك.
وفي أعقاب الحادثة، تصاعدت الدعوات الحقوقية لبرنامج الأغذية العالمي والمؤسسات الإغاثية العاملة في القطاع لتعزيز أنظمة الحماية الرقمية وإجراء تحقيقات نزيهة في الحادثة للوقوف على تلك الحادثة ومنع تكرار مثل هذه الاختراقات مستقبلاً.
مخاطر كبيرة
ورغم إدراك (المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي) الدور الحيوي الذي يؤديه برنامج الأغذية العالمي في دعم الغزيين، إلا أن ذلك لا يقلل من المسؤولية المترتبة عليه تجاه الأشخاص الذين يحتفظ ببياناتهم والذين سلموا معلوماتهم الشخصية قسرا من أجل الحصول على الطعام.
واستهجن المركز العربي وقوع الحادثة في 14 أيار، بينما لم يتم إبلاغ المتضررين إلا بعد سبعة عشر يوما أي في 31 أيار، وبالتالي فإن هذا التأخير حرم المتضررين من فرصة اتخاذ إجراءات مبكرة للحد من المخاطر المحتملة وحماية أنفسهم.
وقال إن هذه الحادثة لها خطورة استثنائية في السياق الفلسطيني، ففي حين يُنظر عادة إلى تسريب بيانات التسجيل على أنه انتهاك للخصوصية، فإن كشف هذه البيانات في غزة قد يعرّض الأفراد لمخاطر أكبر بكثير.
ونوه إلى الحق في الخصوصية المكفول بموجب المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما يلتزم كل من الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي بمبادئ الأمم المتحدة لحماية البيانات الشخصية والخصوصية.
وأكد المركز العربي على ضرورة إجراء عملية التحقيق والمساءلة من خلال إطلاع المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي والجهات المانحة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، على نتائج التحقيق المستقل والإجراءات التصحيحية المتخذة لمعالجة أوجه القصور التي يكشف عنها.
فشل إنساني في أسوأ الأزمات
ومن وجهة نظر، الخبير الفلسطيني في شؤون "أونروا" والوكالات الدولية سامي مشعشع فإن التسجيل لدى برنامج (WFP) كما التسجيل لوكالة "أونروا" والمؤسسات الإنسانية الأخرى ليس إجراء إداريا بل هو وسيلة للبقاء على قيد الحياة.
ولهذا السبب، أوضح مشعشع، في تعليقه على الحادثة، أن الهجوم الإلكتروني والاختراق الكبير الذي استهدف منصة التسجيل التابعة للبرنامج لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حادث تقني أو خرق أمني عابر، بل فشلا إنسانيا يحمل تداعيات خطيرة على سكان يعيشون أصلا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
واستدل في مثل هذا الظروف حالة (قطاع غزة) تصبح قواعد البيانات الإنسانية جزءا من منظومة الحماية الإنسانية والأمنية، لا مجرد أدوات إدارية لتوزيع المساعدات الأمر الذي يثير القلق على وقوع الاختراق وطريقة التعامل معه ومحاولة التستر عليه.
وتساءل: "لماذا لم يفصح البرنامج عبر منصات البرنامج الإعلامية الرسمية، ولا سيما باللغة العربية، رغم أن المتضررين هم من الفلسطينيين الناطقين بالعربية"، لافتا إلى أن هذا الغياب يترك فراغا معلوماتيا في قضية تمس مئات آلاف الأسر في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وخطورة.
وختم مشعشع: العائلات التي اضطرت إلى تسليم بياناتها الشخصية للحصول على الغذاء تجد نفسها اليوم أمام مصدر جديد للقلق ولا سيما الأمني في وقت تكافح فيه من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.
صندوق معلومات
اختراق إلكتروني طال بيانات 600 ألف مستفيد بغزة مؤخراً.
البيانات المسربة شملت هويات وهواتف ومعلومات مساعدات حساسة.
حقوقيون يطالبون بتحقيق مستقل ومساءلة الجهات المسؤولة فوراً.
مخاوف متزايدة من الاحتيال وانتحال الهوية واستغلال البيانات.