قائمة الموقع

غزة تختنق داخل 35% من مساحتها.. حياة كاملة محشورة بين الركام والخيام

2026-06-13T10:19:00+03:00
يسيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم على نحو 65% من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترا مربعا
فلسطين أون لاين

لم يعد قطاع غزة ذلك الشريط الساحلي الضيق الذي عرفه سكانه لعقود باعتباره أكثر بقاع الأرض اكتظاظاً بالسكان، بل تحول اليوم إلى مساحة أصغر بكثير، مساحة مكتظة بالخيام والركام والبشر الجائعين والخائفين. بعد أكثر من ثمانية أشهر على إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، يبدو وقف إطلاق النار كأنه لم يكن سوى بيان سياسي عابر، أو حبر على ورق لم يوقف الحرب فعلياً.

ويسيطر جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم على نحو 65% من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترا مربعا، مع تهديدات مستمرة بتوسيع هذه السيطرة، ما دفع أكثر من مليوني إنسان إلى التكدس داخل ما تبقى من الأرض، وهي مساحة لا تتجاوز 35% فقط من القطاع. هنا، لم تعد المدن مدناً، ولا المخيمات مخيمات، بل تحولت إلى تجمعات بشرية هائلة تختلط فيها رائحة البحر برائحة الصرف الصحي والدخان والقمامة. لم يعد قطاع غزة مكاناً يصلح للعيش بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

في غرب مدينة غزة، حيث تنتشر مخيمات الإيواء فوق الكثبان الرملية وبين المباني المدمرة، يمشي الناس مسافات طويلة بحثاً عن الماء أو الطعام أو نقطة اتصال بالإنترنت، في حين لا تتوقف طائرات الاحتلال عن التحليق في السماء. الأطفال يلعبون بين الخيام الضيقة، والنساء يخبزن على الحطب، والرجال يجلسون أمام ركام بيوتهم يتأملون خرائط العودة المستحيلة إلى مناطق باتت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

بالنسبة لسكان غزة، لم يعد السؤال متى تنتهي الحرب، بل: كيف يمكن لحياة كاملة أن تستمر داخل ثلث مساحة القطاع فقط؟

خيمة تشبه القبر

في أحد مخيمات الإيواء غرب مدينة غزة، يعيش محمد البواب وهو أب لخمسة أطفال، داخل خيمة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، بعد أن فقد منزله وحياته السابقة في حي الشجاعية شرق المدينة.

يقول البواب لصحيفة "فلسطين" وهو يشير إلى عشرات الخيام المتلاصقة حوله: "لم نخسر منزلنا فقط، بل خسرنا المساحة التي كنا نعيش فيها. اليوم ملايين الناس محاصرون داخل جزء صغير جداً من غزة، وكل يوم تصبح الحياة أكثر ضيقاً واختناقاً".

قبل الحرب، كانت عائلته تعيش في منزل مكون من ثلاثة طوابق، وكانت الحياة في الشجاعية مستقرة نسبياً. أما اليوم، فتعيش الأسرة داخل خيمة فوق أرض رملية، وسط اكتظاظ هائل ونقص حاد في المياه والخدمات، في حين يضطر السكان إلى حفر امتصاصية بدائية قرب خيامهم بسبب انهيار البنية التحتية.

ويقول: "حين تسيطر (إسرائيل) على معظم مساحة غزة، فهذا يعني أن الناس يُدفعون للتكدس فوق بعضهم البعض. هنا لا توجد خصوصية ولا أمان ولا حتى مساحة للأطفال كي يتحركوا".

ومنذ سيطرة جيش الاحتلال على مناطق واسعة شرق القطاع، لم يعد البواب قادراً على الوصول إلى منزله أو حتى معرفة مصيره. حاول الاقتراب من المنطقة مرة واحدة، لكنه اضطر للعودة تحت إطلاق النار.

داخل المخيم، تبدو الحياة أقرب إلى محاولة مستمرة للبقاء. الأطفال يسيرون حفاة بين المياه العادمة والخيام المتلاصقة، والنساء يطبخن على الحطب، بينما يقضي الرجال ساعات طويلة في البحث عن الماء والطعام أو متابعة أخبار المناطق التي مُنعوا من العودة إليها.

ويضيف البواب: "أطفالي يسألونني متى سنرجع إلى بيتنا، لكنني لا أملك إجابة. حتى لو توقفت الحرب، أين سنعود إذا كانت هذه المناطق مغلقة وتحت السيطرة العسكرية؟ نحن نعيش اليوم داخل مساحة تضيق بنا أكثر كل يوم".

"كانت أرضي كل حياتي"

أما عبير الصفدي، وهي أم لأربعة أطفال من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، فتجلس يومياً أمام خيمتها وهي تتحدث بحسرة عن أرضها الزراعية التي ورثتها عن والدها.

تقول الصفدي لـ"فلسطين": "كانت أرضي كل حياتي. كنت أزرع البندورة والخيار، وأبيع المحصول في الأسواق. منها كنا نأكل وندفع مصاريف البيت ونعلم الأطفال".

تقع الأرض اليوم داخل المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال ولم تعد قادرة حتى على الاقتراب منها. تضيف: "آخر مرة رأيت فيها أرضي كانت قبل الحرب. اليوم لا أعرف إن كانت الأشجار ما زالت موجودة أم جرفوها بالكامل".

قبل الحرب، كانت تستيقظ فجراً لتذهب إلى أرضها وتسقي المزروعات بيديها. تقول إن العمل الزراعي كان متعباً لكنه يمنحها شعوراً بالكرامة والاستقلال. أما الآن، فقد أصبحت تعتمد بشكل كامل على المساعدات الغذائية.

وتقول: "أشعر بالإهانة عندما أقف في طوابير المساعدات لساعات كي أحصل على كيس طحين أو بعض العدس. أنا لم أكن متسولة، كنت امرأة تعمل في أرضها وتعيش من تعبها".

أطفالها يجلسون حولها داخل الخيمة بينما تتحدث عن حياتها السابقة. أحد أبنائها يسألها أحياناً: "متى سنعود إلى أرض جدي؟" لكنها لا تعرف ماذا تجيب.

وتضيف: "(إسرائيل) لم تأخذ الأرض فقط، بل أخذت مصدر رزقنا وشعورنا بالأمان. الزراعة بالنسبة لنا لم تكن مهنة فقط، بل كانت حياتنا كلها".

وترى الصفدي أن أخطر ما يحدث اليوم هو تحول آلاف العائلات الزراعية إلى عائلات تعتمد بالكامل على المساعدات الإنسانية، بعد فقدان أراضيها وأعمالها. تقول: "عندما يفقد الإنسان أرضه، يشعر وكأنه فقد جزءاً من نفسه".

كارثة اقتصادية ومعيشية

ويقول الخبير الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر لـ"فلسطين" إن سيطرة الاحتلال على نحو 65% من مساحة قطاع غزة تمثل كارثة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، لأنها تشمل مناطق زراعية وسكنية وحيوية تشكل العمود الفقري للحياة الاقتصادية في القطاع.

ويضيف أبو قمر: "عندما يتم حصر أكثر من مليوني إنسان داخل 35% فقط من مساحة غزة، فإن ذلك يؤدي تلقائياً إلى انهيار في كل مقومات الحياة، بدءاً من السكن والبنية التحتية وصولاً إلى فرص العمل والإنتاج الغذائي".

ويشير إلى أن آلاف العائلات فقدت مصادر دخلها بعد خروج مساحات زراعية واسعة عن الخدمة، إضافة إلى توقف عدد كبير من الأنشطة التجارية والصناعية بسبب القيود الأمنية والقصف المستمر.

ويقول: "نحن أمام اقتصاد مشلول بالكامل تقريباً. الاعتماد على المساعدات الإنسانية أصبح السمة الأساسية للحياة اليومية في غزة، وهذا يخلق مستويات خطيرة من الفقر والعجز وانعدام الأمن الغذائي".

كما يحذر أبو قمر من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى أزمات اجتماعية طويلة الأمد، موضحاً أن الاكتظاظ السكاني الحاد داخل مناطق محدودة سيزيد من انتشار الأمراض والتوترات الاجتماعية والانهيار النفسي بين السكان.

ويضيف: "ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بخسائر اقتصادية مباشرة، بل بإعادة تشكيل الحياة في غزة بطريقة تدفع المجتمع بأكمله نحو الاعتماد القسري على الإغاثة، بعد تدمير مقومات الإنتاج والعمل والاستقرار".

ويختم حديثه بالقول: "حتى لو توقفت الحرب غداً، فإن آثار السيطرة على هذه المساحات الواسعة من القطاع ستبقى لسنوات طويلة، لأن الناس فقدوا بيوتهم وأراضيهم وأعمالهم وشعورهم بالأمان في وقت واحد".

اخبار ذات صلة