لا يُقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي عاشها فقط، بل بما يتركه من أثر في قلوب الناس وذاكرتهم. هناك أشخاص يرحلون فتغيب أجسادهم عن المكان، لكن حضورهم يبقى ممتدًا في البيوت والشوارع وقاعات الدراسة ووجوه من عرفوهم. من بين هؤلاء برز اسم الدكتور نعيم بارود، الأكاديمي والباحث والمربي الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في خدمة العلم والطلبة والقضية الفلسطينية، قبل أن تغتاله آلة الحرب الإسرائيلية باستهداف منزله مباشرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
في أزقة مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، ولد الدكتور نعيم سلمان محمد بارود، في الحادي عشر من أغسطس/ آب 1962. هناك بدأت رحلة طفل فلسطيني حمل بين يديه كتابًا، وفي قلبه إصرارًا على أن يجعل من العلم رسالة حياة، وأن يحول التحديات التي فرضها اللجوء والاحتلال إلى دافع للنجاح والعطاء.
مراحل علمية
نشأ نعيم بارود في بيئة بسيطة، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، قبل أن يكمل دراسته الثانوية بتفوق أهّله للالتحاق بالجامعة الإسلامية في غزة. وفي زمن كانت فيه الانتفاضة الأولى تلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة، واصل طريقه العلمي بإصرار، فحصل على درجة البكالوريوس في الجغرافيا عام 1988.
لكن البكالوريوس لم يكن نهاية الرحلة، بل بدايتها. فبعد سنوات من الجهد والمثابرة، انتقل إلى الأردن ليحصل على درجة الماجستير عام 1993، ثم شدّ الرحال إلى السودان حيث نال درجة الدكتوراه عام 1996. عاد بعدها إلى غزة محملاً بالعلم والخبرة، ومؤمنًا بأن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تُسخر لخدمة الناس والوطن.
يقول شقيقه زكي بارود لصحيفة "فلسطين": "إن الدكتور نعيم لم يعتبر العلم وسيلة لتحقيق مكانة شخصية، بل رسالة وطنية وإنسانية. فمنذ عودته إلى غزة انخرط في العمل الأكاديمي داخل الجامعة الإسلامية، وكرّس سنوات عمره للبحث والتدريس وخدمة الطلبة. تخصص في الجغرافيا الطبيعية والبيئية والطبية، واهتم بدراسات القدس والقضية الفلسطينية، مؤمنًا أن المعرفة شكل من أشكال المقاومة وحفظ الهوية".
وخلال مسيرته العلمية، حصل على درجة الأستاذية عام 2009، وتولى العديد من المناصب الأكاديمية والإدارية، من بينها رئاسة قسم الجغرافيا، ونائب عميد شؤون الطلبة، ورئاسة لجنة الجودة وتقييم البرامج الأكاديمية. كما شارك في إعداد وتنظيم العديد من المؤتمرات العلمية التي تناولت القضايا الفلسطينية المختلفة.
وبحسب شقيقه، فإن الذين عرفوا الدكتور نعيم عن قرب، يؤكدون أن قيمته لم تكن في المناصب التي تقلدها أو الأبحاث التي نشرها فقط، بل في الأثر الإنساني الذي تركه في حياة من حوله. فقد تخرج على يديه مئات الطلبة الذين أصبحوا معلمين وأكاديميين وباحثين ومهنيين في مختلف المجالات.
ويضيف زكي: "لم يكن أكاديميًا فقط، كان مربيًا وأبًا ومرشدًا. كان محبوبًا بين الطلبة بشكل استثنائي، يستمع لهم ويعاملهم بمحبة واحترام. لذلك بقيت سمعته الطيبة حاضرة في قلوب الجميع".
داخل العائلة أيضًا كان الدكتور نعيم يمثل ركنًا أساسيًا لا يمكن تعويضه. كان صاحب الكلمة المسموعة والحضور المميز، وإذا غاب عن مناسبة عائلية شعر الجميع بفراغ كبير. عرفه أفراد أسرته بالحكمة والهدوء وحسن الاستماع، وكان مرجعًا للشباب وكبيرًا يحترم كبار السن ويحرص على صلة الرحم.
وكانت المناسبات الدينية فرصة إضافية ليجسد هذا الدور. ففي عيدي الفطر والأضحى كان يضع خططًا لجمع أفراد العائلة وزيارة الأقارب. أما في شهر رمضان، فكان من أوائل من يطرقون الأبواب مهنئًا بحلول الشهر الكريم، ناشرًا أجواء الألفة والمحبة بين الجميع، وفق شقيقه زكي.
وفي بيته كان أبًا حنونًا وزوجًا وفيًا، ترك خلفه زوجته وولديه أنس وأحمد وأربع بنات، إضافة إلى أحفاد كان يحيطهم بعطف خاص. لم تفارق الابتسامة وجهه، وكان حريصًا على أن يمنح أسرته الوقت والاهتمام رغم مسؤولياته الأكاديمية الكثيرة.
يهوى الرياضة
وإلى جانب العلم، احتلت الرياضة جزءًا من حياته، فقد مارس كرة القدم في شبابه مع الجمعية الإسلامية، ثم مع نادي الصداقة، قبل أن يتوقف بسبب انشغاله بالدراسات العليا. ومع ذلك لم يبتعد عن الرياضة، وظل يشارك في لقاءات قدامى الرياضيين كلما سنحت له الفرصة، محافظًا على نشاطه وعلاقاته الاجتماعية الواسعة.
لكن رحلة العطاء الطويلة توقفت فجأة في الخامس والعشرين من أكتوبر 2023. في ذلك اليوم، وبينما كان يؤدي صلاة الظهر في منزل العائلة بمخيم الشاطئ، الذي كانت تقيم فيه شقيقته وأبناؤها وأحفادها، استهدفت طائرات الاحتلال المكان بشكل مباشر بصاروخين من المقاتلات الحربية.
يحكي شقيقه زكي: استشهد الدكتور نعيم وهو ساجد بين يدي الله، برفقة شقيقته وعدد من أفراد أسرتها. رحل الجسد، لكن السيرة التي بناها على مدار عقود بقيت حيّة في ذاكرة أسرته وطلابه وزملائه وكل من عرفه.
ويرى شقيقه أن استهداف الشخصيات العلمية والأكاديمية خلال الحرب لم يكن أمرًا عشوائيًا، بل محاولة لإسكات الأصوات التي تحمل المعرفة والرواية الفلسطينية. فالدكتور نعيم لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان صاحب رسالة وطنية وثقافية، يعرّف الأجيال بتاريخ فلسطين وجغرافيتها، ويغرس فيهم الوعي والانتماء.
لقد غاب الدكتور نعيم بارود عن الدنيا، لكن أثره بقي شاهدًا على حياة أفناها في خدمة العلم والوطن والإنسان. وكما يقول شقيقه: "رحل الجسد، أما الأثر فلا يزال باقيًا في القلوب والعقول، وسيبقى ما بقي من عرف هذا الرجل الإنسان".