قائمة الموقع

مهند فروانة.. حضر المدعوون وغاب العريس

2026-06-11T13:42:00+03:00
بدلة العريس الشهيد فروانة
فلسطين أون لاين

ورود محترقة متناثرة، وبقايا أثاث غرفة نوم تفحمت، بدلة فرح ناجية مليئة بالغبار، هكذا أصبح المشهد داخل خيمة العريس مهند عثمان فروانة "25 سنة"، لتبقى شاهدة على حفل زفافٍ كان مقررا إتمامه  الساعة الخامسة والنصف من مساء أمس السبت الموافق 6 يونيو/ حزيران 2026، لتختلف الترتيبات ويتحول الفرح إلى بيت عزاء الذي حضره المدعوون وغاب عنه العريس.

في قلب المشهد القاسي احتضنت أمه بقلبٍ يكتوي بنار الفراق بدلة الفرح الناجية، والتي كان يفترض أن تحتضن فيها نجلها العريس بعد ساعات فقط، وبدلا من أن يلتف حولها النساء في صالة الفرح جئن لتعزيتها.


 

قبل ساعات من الفرح أقامت العائلة "سهرة العريس" لـ "مهند" الذي ظل مستيقظًا حتى الساعة الثانية فجرًا يترقبُ مرور الوقت واقتراب ساعة الفرح وترتيبات عديدة كان ينوي متابعتها من تجهيز الحافلات لنقل المدعوين وسيارة العريس، بانتظار صباح مليء بالتفاصيل السعيدة.

وقبل أن يغفى داخل خيمته المقامة بجانب منزله وسط مدينة خان يونس، تحدث مع والده الذي طلب منه قطعة حلوى، ثم غادر والده نحو المنزل، ولم تمض أقل من ساعة على حوارهما الأخير حتى استيقظ الأبُ بعد غفوة قصيرة فزعًا عند الثالثة فجر السبت على صوت انفجار إثر قصف إسرائيلي قادم من ناحية خيمة ابنه العريس نشب على إثره حريق كبير.

الكفن بدلا من بدلة الزفاف

رغم محاولة العائلة والجيران، بكل ما لديهم من دلاء مياه إطفاء الحريق بقيت النار مشتعلة لنحو نصف ساعة، استشهد على إثرها "مهند" واحترقت جثته، ونجت بدلة الفرح من الحريق لتبقى شاهدة على فرحٍ لم يتكمل، خطف فيها العريس بيوم زفافه، وارتدى الكفن بدلاً من بدلة الزفاف التي بقيت معلقة، وحمله المدعوون شهيدًا على الاكتاف يرددون: "الشهيد حبيب الله" ويسيرون به نحو مثواه الأخير، وهم الذين كانوا ينتظرون حمله إلى عروسه والسير به نحو صالة الفرح، لترديد أهازيج فرحٍ متوارثة.

لم تكن هذه القصة الوحيدة التي حول فيها الاحتلال الفرح إلى مأتم، فخلال الحرب لم تكتمل مراسم فرح كثيرة، قتل الاحتلال خلالها أحد العريسين أو كلاهما، في امتداد للإبادة يصر خلالها على التنغيص على حياة الشعب الفلسطيني ومنعهم من عيش أفراحهم رغم الدمار والركام وكل الويلات التي عاشوها.

يحاول والده التماسك أمام وجع رحيل قاسٍ لفلذة كبده، يحكي لصحيفة "فلسطين": "ليلة الجمعة جاء أصدقاؤه وأحيوا "سهرة العريس" والجميع فرح له، وتناولوا العشاء ثم ذهب لخيمته. قبل القصف طلبت منه قطعة حلوى فأحضرها لي، ثم استيقظت فزعا على قصوت القصف من جهة غرفته والناس كانت تأكل كل شيء".

عن التجهيزات الأخيرة، يمتلئ قلب والده بالحسرة في كلمات يتقلب فيها الوجع قائلا: "كل شيء احترق. أخرجناه جثة هامدة رغم كل محاولتنا إطفاء النار، كانت عروسته قد أحضرت ملابسها احترقت أيضا، واشترى غرفة نوم مستعملة وأجرينا صيانة لها وطليناها بلون جديد وفرش الأرضية بالسجاد الجديد وكل التجهيزات الممكنة، وأقام خيمة من شوادر".

وأضاف: "كان ابني قد أتم كل الترتيبات من حجز الصالة والحافلة وتوزيع بطاقات الدعوة، والاتفاق على الكلمات مع عروسه، وفرش الأرض بالسجاد وعلق بدلة الفرح واستأجر سيارة لنقل العروس. جهز خيمته منذ أربعة أشهر بعد عقد قرانه قبلها بشهرين وكان يجهزها بشكل تدريجي بسبب صعوبة الأوضاع وعدم توفر الأثاث".

الاحتلال قتل فرحتين

بدمعة سبقت كلماته يصف مشاعر السعادة التي عاشها نجله بـ "أنه طائر من الفرح": "لم يختر مهند موعد الفرح بناء على مناسبة معينة بل قادته الظروف إلى هذا اليوم المتاح في صالة الفرح، ولم يدرِ أنه سيكون يوم استشهاده. رأيته في غاية الفرح والسعادة  بشكل لم أره قبل ذلك. عقد قرانه قبل ستة أشهر".


 

يصف نجله بأنه "خجول" لم يصدر عنه أي شيء خاطئ، لم يسيء لأحد تشهد له منطقته بأخلاقه وطيبته، امتاز بالتدين والمحافظة على الصلاة وصلة الأرحام، الجميع "يحلف بحياته" على حد تعبيرات والده المكلوم.

لدى مهند سبعة أشقاء ( ذكران وخمس إناث) يأتي هو بالترتيب الثاني بين الذكور، كانت العائلة أيضا تستعد لعيش فرحة ثانية في 25 يونيو/ حزيران الجاري بحفل زفاف شقيقته، لتختلف كل الترتيبات، ويقتل الاحتلال الفرحتين.

عايش والده معاناة نجله العريس في تجهيز "خيمة الزوجية" قائلا: "اشترى طقم أثاث غرفة نوم مستخدم وأجرينا له صيانة وقمنا بطلائه من جديد. كل شيء كان يتم توفيره بصعوبة حتى اكتملت التجهيزات وتمنيت أن يعيش حياة زوجية سعيدة، لكن الاحتلال حسر قلوبنا".

ويصفه أيضًا بأنه "رجل كريم" قلبه على الوطن، وقال عنه بأنه: "رجل حر أصيل رافض للاحتلال والعيش تحت عذابات الحرب. امتاز بالكتمان. رضيت عليه كان بارًا بي وبوالدته ولم يقصر معنا بشيءٍ، وأسأل الله أن يدخله جناته".

اخبار ذات صلة