قائمة الموقع

دمى من بين الأنقاض.. نساء غزة ينسجن خيوط التعافي من مخلفات الحرب

2026-06-11T11:02:00+03:00
بين ركام الدمار وضغوط النزوح وفقدان الأمان، تحولت هذه الدمى من مجرد ألعاب إلى وسيلة للتفريغ النفسي
فلسطين أون لاين

في قاعة متواضعة داخل مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تجلس نساء حول طاولات بسيطة، ينهمكن في قص الأقمشة ولصق القطع الصغيرة وتشكيل ملامح دمى صنعت من مخلفات الحرب وما تبقى من أدوات مهملة. وبين ركام الدمار وضغوط النزوح وفقدان الأمان، تحولت هذه الدمى من مجرد ألعاب إلى وسيلة للتفريغ النفسي واستعادة التوازن الداخلي.

ففي وجود الآثار النفسية العميقة التي خلفتها الحرب، وجدت عشرات النساء والأطفال في صناعة الدمى متنفسًا للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم القاسية، ونافذةً للهروب المؤقت من واقع مثقل بالخوف والقلق. ومن خلال خامات بسيطة أُعيد تدويرها من البيئة المحيطة، تنسج المشاركات حكاياتهن ويحوّلن ذكريات الحرب إلى أعمال فنية تحمل رسائل صمود وأمل.


 

وتسعى مبادرات مجتمعية متخصصة في الدعم النفسي إلى توظيف الفنون والمسرح العلاجي كأدوات فعالة للتخفيف من الضغوط النفسية التي خلفتها الحرب، ولا سيما لدى النساء والأطفال الذين يُعدون من أكثر الفئات تأثرًا بالأحداث المتواصلة، وفق القائمين على هذه البرامج.

تفريغ نفسي

تقول فاطمة ماضي (38 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، إنها تمضي نحو أربع ساعات يوميًا في التدريب على صناعة الدمى، وتتمكن مع زميلاتها خلال هذه الفترة من إنجاز أربع دمى باستخدام أدوات وخامات بسيطة.


 

وتوضح ماضي لصحيفة "فلسطين" أن المشاركات يعتمدن على الأقمشة والصمغ والخيوط وأجزاء من الفلين في صناعة الدمى، مشيرة إلى أن المشروع أتاح لها فرصة تعلم مهارة جديدة يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى مصدر دخل.

وتضيف أن الأثر النفسي للتجربة كان الأهم بالنسبة لها، إذ ساعدتها على التخفيف من ضغوط الحرب، كما بدأت بتعليم أطفالها أساسيات هذه الحرفة لإشراكهم في أنشطة تسهم في تحسين حالتهم النفسية وتمنحهم مساحة للترفيه والتعبير.


 

ولا يختلف الأمر كثيرًا لدى ياسمين ياسين (31 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال أيضًا، إذ التحقت بمبادرة "قصتي" التي ينفذها مسرح المخيم، وتمكنت خلال فترة وجيزة من تعلم أساسيات صناعة الدمى وإنتاج نماذج خاصة لأطفالها.

وترى ياسمين أن المشاركة في المشروع منحتها فرصة للخروج من أجواء التوتر والقلق، وساعدتها على استثمار وقتها في نشاط إبداعي ينعكس إيجابًا على أسرتها، مؤكدة أن صناعة الدمى أصبحت وسيلة للتعبير عن المشاعر والتخفيف من الآثار النفسية للحرب.


 

المسرح بوابة للتعافي

من جانبه، يقول مدير جمعية مسرح المخيم يوسف الهندي إن الجمعية متخصصة في برامج التعزيز والتمكين النفسي من خلال المسرح والدمى، موضحًا أن المشروع استهدف 120 امرأة وطفلًا تلقوا تدريبات عملية على صناعة الدمى وتوظيفها في سرد القصص والتعبير عن التجارب الشخصية.

ويشير الهندي إلى أن المشاركين تعلموا كيفية تحويل الشخصيات العالقة في أذهانهم إلى نماذج ملموسة تُستخدم في المسرح العلاجي، ما يساعدهم على التعبير عن مشاعرهم ومواجهة الصعوبات النفسية الناجمة عن الحرب.


 

ويؤكد أن الجمعية تنفذ برامجها داخل مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، حيث يتدرب المشاركون على استخدام أبسط الوسائل المتاحة لصناعة الدمى وتوظيفها في التعبير عن المخاوف والذكريات والمشاعر التي خلفتها الحرب.

ويبدأ التدريب، وفق الهندي، بجلسات للتفريغ النفسي وسرد القصص الشخصية، قبل الانتقال إلى كتابة سيناريوهات مستوحاة من تجارب المشاركين، ثم تحويل تلك القصص والشخصيات إلى دمى يدوية تُستخدم في عروض وأنشطة تفاعلية.

إبداع رغم شح الإمكانات

ويلفت الهندي إلى أن نقص الإمكانات والمواد الخام شكّل تحديًا كبيرًا أمام تنفيذ المشروع، ما دفع القائمين عليه إلى البحث عن بدائل محلية والاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير.


 

ويبين أن المشاركين استخدموا العلب المعدنية الفارغة بعد الاستفادة من محتوياتها، إضافة إلى الفلين المستخرج من الأجهزة المتضررة بفعل الحرب، فضلًا عن الأقمشة القديمة التي لم تعد صالحة للاستخدام اليومي.

ورغم هذه التحديات، تمكن العديد من النساء والأطفال من إنتاج دمى ذات جودة جيدة خلال فترة قصيرة، في مشهد يعكس قدرتهم على الإبداع والتكيف مع الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.


 

ويشدد الهندي على أن الحاجة إلى دعم وتمويل مثل هذه المشاريع باتت أكثر إلحاحًا في ظل التدهور النفسي الذي يعيشه سكان قطاع غزة، داعيًا المؤسسات الدولية والمنظمات المعنية بالصحة النفسية إلى توسيع برامج الدعم الموجهة للنساء والأطفال.

ومع تضرر المصانع وورش الإنتاج وتراجع إمكانية الحصول على المواد الخام اللازمة لصناعة الألعاب، تحولت المخلفات المنتشرة في البيئة المحيطة إلى أدوات للتعافي النفسي. وبين الأقمشة البالية والعلب الفارغة وبقايا الفلين، تنجح نساء غزة في صناعة دمى تتجاوز كونها ألعابًا للأطفال، لتصبح رمزًا للصمود ومحاولة متجددة لاستعادة التوازن النفسي وسط واقع تفرضه الحرب بكل قسوتها.

اخبار ذات صلة