يقف الأب مكلومًا داخل مشرحة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، تتقطع الكلمات في حلقه قبل أن تخرج محمّلة بالألم: "ابني جاد راح"، في حين يحتضن حقيبة ابنه المدرسية الممزقة.
صباح الاثنين 8 يونيو/حزيران الجاري، استيقظ الطفل جاد يوسف سليمان (8 سنوات)، ورافق شقيقه الأكبر مجد (17 عامًا) للوقوف في طابور طويل لشراء الخبز.
ومع اقتراب موعد مدرسته في التاسعة صباحًا، ترك الطابور وحمل حقيبته دون أن يتناول فطوره، متجهًا إلى مدرسته القريبة محاولًا اللحاق بالحصة الدراسية.
وعند عودة شقيقه مجد بربطة الخبز، كانت والدته قد أعدّت وجبة "البطاطس" ووضعتها جانبًا لجاد. وبعد انتهاء الدوام المدرسي عند الساعة 12 ظهرًا، عاد الطفل إلى منزله الذي يبعد نحو 200 متر عن المدرسة، ومرّ على ورشة والده لصيانة "الليدات" وأدوات الطاقة، قبل أن يستريح قليلًا ويقبل يد والده الذي اشترى له مشروبًا غازيًا يخفف حرارة الجو، ثم ابتعد خطوات قليلة عن المكان.
وبعد لحظات، دوى انفجار عنيف هزّ المنطقة وأطلق سحابة دخان كثيفة في سماء المكان قرب مصلى مجاور.
لم يخطئ قلب الأب
ركض الأب مذعورًا وهو يخاطب شقيقه بحدس موجع: "شكله جاد راح بالضربة"، ولم يخطئ إحساسه؛ فبعد أمتار قليلة فقط، وجد طفله ممددًا على الأرض، لا تزال حقيبته على ظهره، والدماء تنزف من رقبته.
لم يتمكن من حمله، فتولى شقيقه المهمة القاسية، ونُقل الطفل إلى مستوصف قريب قبل تحويله إلى مستشفى الشفاء، حيث أُعلن استشهاده لاحقًا.
يقول الأب بصوت يختنق بالبكاء لصحيفة "فلسطين": "أيقظته في الصباح وأرسلته مع شقيقه، وعندما اتصلوا بي أخبروني أن الطابور طويل جدًا، ثم عاد للمدرسة. مرّ عليّ كعادته، يقبل يدي وأشتري له حاجياته من البقالة. هذه المرة عاقبته بحرمان المصروف، ثم سألني: بدك شيء؟ فضحكت وقلت له: بدي شيء منك… روح اشتري اللي بدك إياه. ففرح واشترى المشروب الغازي وشربه ثم عاد".
ويضيف: "عندما رأيته ممددًا على الأرض لم أستوعب المشهد… طفل عمره 8 سنوات يحمل حقيبة ودفاتر وأقلام، ما ذنبه؟".
مجزرة في محيط المساعدات
وقع الاستهداف بجوار مستشفى "اليمن السعيد" الذي تحول إلى مركز إيواء في مخيم جباليا شمال القطاع، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات، بعضهم أصيب بإعاقات دائمة، كما استشهد شخصان آخران قرب نقطة لتوزيع المساعدات التابعة لبرنامج الغذاء العالمي.
كان جاد واحدًا من أربعة أشقاء (ذكور وبنات)، ويقع في منتصفهم. يقول والده: "كان شقيقه الأكبر يلح علينا أن نرزق بأخ يلعب معه، وبعدها رزقنا بجاد، لكننا لم نفرح به… لم يعش طفولته".
عاش الطفل تسع موجات نزوح منذ بداية الحرب، تنقل خلالها بين شمال القطاع وجنوبه، وعاد إلى منزل متهالك يفتقر لأبسط مقومات الحياة، بينما لم يكن يفصله عن الخطر سوى مئات الأمتار.
العصفور الذي يحمل اسمه
اتخذ جاد من الركام مساحة للعب، وكان يلهو قرب باب ثلاجة قديم على سطح منزل مائل، ويعتني بعصفور "دويري هندي" أهداه له عمه قبل استشهاده، كما أحب الزراعة فزرع النعناع في وعاء صغير، وتمنى تربية قطة، وكان يطلق الطائرات الورقية عند المساء.
يقول والده: "كان طفلًا مرحًا يحب الحياة… أسميت العصفور جاد كي يذكرني به".
كبر جاد على هموم أكبر من عمره، فشارك في جلب المياه ومساعدة أسرته، وكان يرافق والده دائمًا. ويستذكر الأب لحظة زيارة قبره: "كان يحب الحياة… حتى وهو شهيد عاد ببسكويت ليطعم أمه وإخوته".
حقيبة لم تعد إلى الصف
بعد انقطاع عن الدراسة بسبب الحرب، عاد جاد إلى مقاعد الدراسة، وكان متفوقًا بحسب معلماته. لكن حقيبته الممزقة ودفاتره الملطخة بالدماء بقيت شاهدًا على رحلة تعليم لم تكتمل.
ويحتفظ الأب بصور طفله؛ وهو يضحك، ويحمل قطة، ويرتدي الكوفية بين حقول الزيتون، إلى جانب صورته الأخيرة وهو يُحمل شهيدًا، وصفحات واجباته المدرسية التي لم تكتمل، وملابسه التي جفّت عليها الدماء.
بين تلك الصور، يبقى جاد حاضرًا في ذاكرة والده، طفلًا لم تمنحه الحرب فرصة أن يكبر.