طالب أسرى فلسطينيون محررون أُبعدوا من الضفة الغربية والقدس إلى قطاع غزة، بإنهاء معاناتهم الإنسانية والسماح لهم بلمّ شملهم مع عائلاتهم، بعدما وجدوا أنفسهم، عقب سنوات طويلة في سجون الاحتلال، أمام واقع جديد من الحرمان والانتظار القسري.
وجاءت مطالب الأسرى خلال وقفة نُظمت الأربعاء في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بمشاركة أسرى محررين، ووجهاء ومخاتير، وممثلين عن مؤسسات محلية، حيث رفع المشاركون نداءات عاجلة إلى الجهات الفلسطينية والعربية والدولية، من أجل التحرك لإنهاء ملف الإبعاد وتمكين الأسرى المحررين من لقاء عائلاتهم والسفر خارج القطاع.
وقال الأسير المحرر المبعد إسماعيل الرديدة، من بيت لحم، إن الأسرى المبعدين لا يشعرون بالغربة بين أهلهم في قطاع غزة، الذين احتضنوهم ووقفوا إلى جانبهم، لكنه شدد على أن المعاناة الحقيقية تكمن في استمرار حرمانهم من لقاء من تبقى لهم من عائلاتهم بعد عقود طويلة من الأسر.
وأضاف الرديدة أن الأسرى لا يطالبون بالخروج من غزة رفضاً للعيش بين أهلها، بل لأن فرحة الحرية بقيت ناقصة دون لقاء الأهل، موضحاً أن نحو 21 أسيراً محرراً من الضفة الغربية والقدس يعيشون في القطاع ظروف النزوح والحرب والجوع، بعيداً عن عائلاتهم التي لم يتمكنوا من احتضانها بعد الإفراج عنهم.
وأشار إلى أن بعض الأسرى أمضوا 24 و25 عامًا في زنازين الاحتلال، وكانوا ينتظرون لحظة التحرر بوصفها بداية حياة جديدة، غير أنهم وجدوا أنفسهم بعد الإفراج أمام فصل آخر من المعاناة، عنوانه الإبعاد والمنع من السفر والحرمان من لمّ الشمل.
ودعا الرديدة السلطة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، والمؤسسات الدولية والحقوقية، إلى العمل الجاد والعاجل من أجل إخراج الأسرى المبعدين إلى مصر، تمهيدًا للمّ شملهم مع عائلاتهم، مؤكداً أنّ الاحتلال هو المسؤول الأول عن معاناة الشعب الفلسطيني ومعاناة الأسرى المبعدين.
من جانبه، قال الأسير المحرر محمد فناني، من رام الله، إن استمرار حرمان الأسرى المحررين من لقاء عائلاتهم يمثل جريمة إنسانية تتعارض مع الأعراف والمواثيق الدولية، مؤكدًا أن الوقوف إلى جانب الأسرى، سواء داخل سجون الاحتلال أو بعد تحررهم، واجب وطني وإنساني لا يجوز التخلي عنه.
وشدد فناني على أن المجتمع الدولي مطالب بممارسة ضغوط حقيقية على سلطات الاحتلال للسماح للأسرى المحررين بالعودة إلى عائلاتهم وأطفالهم وأمهاتهم، معتبراً أن استمرار هذه المعاناة يشكل وصمة عار على المنظمات الدولية إذا بقيت صامتة أمام ملف إنساني بهذا الوضوح.
وأشار المشاركون في الوقفة إلى أن عدداً من الأسرى المحررين أمضوا أكثر من عقدين وثلاثة عقود في سجون الاحتلال، وبعضهم فقد والديه أو زوجته أو أشقاءه خلال سنوات الاعتقال، دون أن يتمكن من وداعهم أو رؤيتهم بعد تحرره.
وقال أحد الأسرى المبعدين إنهم خرجوا من السجن ليجدوا أنفسهم أمام واقع يشبه السجن المفتوح، في ظل إغلاق المعابر وتعقيد حركة السفر واستمرار الحرب على قطاع غزة، مضيفاً أن أكثر ما يؤلمهم هو رؤية عائلاتهم عبر شاشات الهواتف فقط، دون القدرة على احتضانهم أو العودة إليهم.
وتحدث الأسرى عن أوضاع معيشية صعبة يعيشونها في غزة، حيث يشاركون أهل القطاع معاناتهم اليومية من النزوح والجوع وانقطاع مقومات الحياة الأساسية، لكنهم أكدوا أن أقسى ما يواجهونه هو البعد القسري عن العائلة، بعد سنوات طويلة انتظروا خلالها لحظة اللقاء.
وفي السياق، طالب رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين رائد أبو الحمص بضرورة الاستجابة السريعة لمطلب جمع شمل الأسرى المبعدين مع أسرهم وعائلاتهم، سواء من أُبعدوا من مدنهم وقراهم ومخيماتهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة، أو إلى أي مكان آخر في العالم.
وقال أبو الحمص، في بيان صادر عن الهيئة، إن جريمة الاعتقال تبعتها جريمة الإبعاد، موضحًا أن هؤلاء الأسرى الذين دفعوا من أعمارهم وأجسادهم ثمنًا كبيرًا داخل سجون الاحتلال، يدفعون اليوم ثمنًا إضافيًا وهم يشاهدون أبناءهم وعائلاتهم عبر كاميرات الهواتف فقط، دون أن يتمكنوا من عيش تفاصيل الحياة معهم.
وأضاف أن هذا الفصل القسري ترك وجعاً نفسياً وإنسانياً عميقاً في قلوب الأسرى المبعدين، لما يحمله من اشتياق وحرمان وتأثيرات خطيرة على حياتهم اليومية واستقرارهم النفسي بعد التحرر.
واعتبر أبو الحمص أن المؤتمر الصحفي والوقفة التي نظمها الأسرى المبعدون في غزة يمثلان رسالة إنسانية باسم كل الأسرى المبعدين في أماكن وجودهم كافة، موجهة إلى المجتمع الدولي وأحرار العالم، لتحمل مسؤولياتهم في إنهاء هذا البعد القسري بين الأسرى وذويهم.
وأكد أن استمرار الفصل بين الأسرى المحررين وعائلاتهم بقرارات من سلطات الاحتلال لا يمكن قبوله أو التعامل معه كأمر واقع، داعيًا إلى حمل هذا الملف بجدية ووضعه على الطاولة بعيدًا عن التقصير والمماطلة.
وشدد ممثلون عن الوجهاء والمخاتير المشاركين في الوقفة على ضرورة إنصاف الأسرى المبعدين، مؤكدين أن الأسير الفلسطيني المحرر يجب أن يعود إلى أرضه وأهله، لا أن يبقى عالقًا بعيدًا عن عائلته بعد سنوات طويلة من الأسر.
وناشد المشاركون جمهورية مصر العربية التدخل للمساعدة في حل هذا الملف الإنساني، والسماح للأسرى المبعدين بالمغادرة ولمّ شملهم مع عائلاتهم، كما دعوا المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى كسر حالة الصمت والتحرك العاجل لإنهاء معاناتهم.
وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار إغلاق المعابر وتعقيد حركة السفر من قطاع غزة، ما يفاقم أوضاع الأسرى المحررين المبعدين الذين وجدوا أنفسهم بين قسوة سنوات الأسر ومرارة الإبعاد عن العائلة والوطن.
ويؤكد ملف الأسرى المبعدين أن الإفراج عن الأسير لا يكتمل ما لم يستعد حقه في العودة إلى بيته وأسرته، إذ تحوّل الإبعاد بالنسبة لهؤلاء إلى امتداد للعقوبة خارج أسوار السجن، وإلى جرح إنساني مفتوح يحتاج إلى تدخل عاجل يضع حدًا لمعاناة طالت أكثر مما يحتملون.