بعد 32 شهرًا من حرب الإبادة الجماعية، تتكشف في قطاع غزة معطيات غير مسبوقة على صعيد معدلات المواليد الآخذة بالانحدار، مقابل ارتفاع حالات الإجهاض، ما يدق ناقوس الخطر إزاء واحدة من أبرز القضايا التي استهدفها الاحتلال خلال الحرب: الصحة الإنجابية والديموغرافيا.
وتكشف صحيفة "فلسطين" أحدث البيانات الخاصة بمعدلات المواليد الأحياء والإجهاض والفجوات التي خلفتها الإبادة عما كانت عليه تلك المعدلات قبل الحرب، بناء على ما حصلت عليه من بيانات من وزارة الصحة.
وشهد شهر أبريل/نيسان 2026 انحدارًا كبيرا في عدد المواليد الأحياء تمثل بـ2004 مواليد فقط ما يمثل انخفاضا بنسبة 67% عن نوفمبر/تشرين الثاني 2025 الذي شهد ولادة 6076 طفلا.
ولوحظ الانخفاض في معدل المواليد منذ بداية يناير/كانون الثاني 2026 الذي سجلت وزارة الصحة فيه ولادة 5210 أطفال، لينخفض العدد إلى 3433 مولودا في فبراير/شباط، ثم 3233 مولودا في مارس/آذار، و2004 مولودا في أبريل/نيسان. بينما أعلنت وزارة الداخلية أول من أمس تسجيلها 1701 مولود فقط في مايو/أيار من العام نفسه.
وشهدت معدلات المواليد في غزة انخفاضا منذ عام 2023 الذي بدأ به الاحتلال حرب الإبادة الجماعية، إذ بلغ عدد المواليد عام 2022 نحو 57 ألف مولود، انخفض إلى 54 ألفًا عام 2023، ثم إلى 38 ألفًا عام 2024 بما نسبته 38% من إجمالي مواليد ما قبل الحرب.
وبالرغم من وصول عدد المواليد عام 2025 إلى 50 ألفًا و200 مولود فإن ذلك يقل بنسبة 13% عما كان قبل الحرب، عدا عن أن المعدلات عادت للانخفاض مجددا، وبلغت بين يناير 2026 ومايو 2026 نحو 15 ألفًا و481 فقط.
وبمقارنة أعداد المواليد قبل وخلال الحرب، فإن متوسط أعداد المواليد قبل الحرب كان يبلغ 4000-4200 مولود شهريا، بينما بلغ متوسط أعداد المواليد في بداية الحرب 3800 مولود شهريًا. بينما انخفض عددهم في الشهر الأخير إلى نحو 1701 مولود.
الإجهاض بالأرقام
في المقابل، سجلت وزارة الصحة 921 حالة إجهاض خلال شهر أبريل/نيسان 2026 وحده، ما يمثل 460 حالة إجهاض لكل 1000 ولادة ما نسبته 46%.
وتكشف البيانات، تسجيل ستة آلاف حالة إجهاض خلال عام 2025 في غزة، وتسجيل 500-600 حالة إجهاض شهريًا خلال عام 2026، ارتفاعا بنسبة 225% عن المعدل الطبيعي.
في السياق، بلغ عدد المواليد الذين توفوا في غزة خلال عام 2025 نحو 457 مولودا، بينما تظهر البيانات وفاة 102 مولود منذ بداية عام 2026 حتى شهر أبريل/نيسان من العام نفسه.
استمرار الانخفاض هذا العام
"هذا الانخفاض الكبير في عدد المواليد لم يسبق له مثيل في السنوات السابقة. إنه انحدار وانتكاسة كبيرة فيما يتعلق بصحة الأطفال والأمهات"، والحديث هنا لمدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة م.زاهر الوحيدي.
ويتوقع الوحيدي في تصريحات خاصة لصحيفة "فلسطين"، استمرار انخفاض معدلات المواليد خلال الأشهر القادمة، بفجوة تزيد عن 13% من معدلات ما قبل الحرب، مرجعا ذلك إلى أن الظروف الصحية في غزة لم تتغير منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويقول: لم تُدخل المساعدات، ولم تُحسّن البيئة الصحية والصحة الإنجابية للسيدات اللاتي يعشن ظروفا قاسية تتعلق بسوء التغذية والمجاعة. لا نزال نسجل حالات سوء تغذية متزايدة وحالات وفيات بين الأطفال بسوء التغذية. هذا له تأثير كبيرا جدا على حالات الخصوبة والمواليد أيضًا.
وينبه الوحيدي إلى أن ظروف الحرب والصواريخ والقنابل التي ألقاها الاحتلال والغبار المصاحب لها أدى إلى حالات إجهاض كبيرة مقابل انخفاض معدلات المواليد، مبينا أن من الأسباب أيضًا الظروف المعيشية الصعبة في الخيام والنزوح القسري وتلوث مصادر المياه وتسرب مياه الصرف الصحي وانتشار الأوبئة والأمراض.
ويضاف إلى ذلك -وفق الوحيدي- أسباب تتعلق بغياب الرعاية الصحية وأوامر الإخلاء القسري والضغط النفسي على السيدات.
ولوضع حد لتدهور معدلات المواليد، يؤكد الوحيدي ضرورة فتح المعابر وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والغذاء وتحسين الظروف المعيشية لسكان قطاع غزة، مشيرًا إلى ارتفاع الأسعار في السوق، ما يؤدي إلى عجز 80% منهم عن تلبية احتياجاتهم عبر شرائها، واعتمادهم على المساعدات التي لا توفر حياة كريمة أو غذاء سليما للأمهات والأطفال.
وينبه إلى أن تحسن ظروف الأمهات والأطفال لا يظهر بيوم أو شهر أو شهرين، بل يستغرق وقتا، ما يجعل من توفير مستلزمات الدواء والغذاء والمعيشة أمرًا عاجلا.
في السياق، يشير الوحيدي إلى خلو محافظة شمال قطاع غزة من أي مستشفى متخصص في الولادة، ما يُجبر الحوامل على الانتقال لأقرب مستشفى لهن في مدينة غزة على بعد 5-6 كيلومتر، وسط ظروف تنقل صعبة، ومخاطر تحدق بهن.
وتعقيبا على ما كشفته صحيفة "فلسطين" في لقاء "نبض غزة" مؤخرا عن تسجيل أكثر من 34 ألف عقد زواج من بداية الحرب حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقابل انخفاض عدد المواليد، يقول الوحيدي: إن ظروف النزوح القسري ونقص الطعام والشراب والمأوى قد تدفع إلى تأجيل التفكير في الإنجاب، وهو ما يبدو في الأشهر الأخيرة من انخفاض عدد المواليد.
ويؤكد الوحيدي أن هذا الانخفاض يأتي نتيجة للإبادة الديمغرافية التي عمد إليها الاحتلال، فهناك إبادة مباشرة وهناك أيضًا إبادة إنجابية.
ووفق تقريرين أعدّتهما منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بالتعاون مع قسم “حقوق الإنسان العالمية” في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو هذا العام، فإن ما يجري في غزة يمكن وصفه بسياسة “عنف إنجابي”، تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي.
ويدق المسؤول في وزارة الصحة ناقوس الخطر إزاء ذلك، مشيرًا إلى أن الوزارة تواصلت مع شركائها كافة لوضعها في صورة هذه الأرقام "الصادمة" في ملفات الإجهاض والمواليد، والتدخلات الواجبة من منظمات مثل الصحة العالمية.
ويتجاوز ما تكشفه هذه الأرقام كونه منحنىً إحصائيًا عابرًا، ليطرح سؤالًا أوسع حول ما يتركه الواقع الممتد من الحرب على تفاصيل الحياة نفسها، من بدايتها الأولى.