تتجه الأنظار مجددًا إلى القاهرة مع تواصل اللقاءات والمباحثات الفلسطينية برعاية مصرية قطرية، في محاولة للوصول إلى تفاهمات تعالج القضايا العالقة وتفتح الباب أمام تنفيذ الاستحقاقات المرتبطة باتفاق أكتوبر الذي لم يلتزم الاحتلال بتنفيذه.
وبالرغم من التعقيدات الكبيرة التي تحيط بهذه الملفات، إدفإن ما يجري في القاهرة يكشف عن حقيقة سياسية مهمة، وهي أن العقبة الرئيسة لم تعد كامنة في الموقف الفلسطيني بقدر ما أصبحت مرتبطة بمدى استعداد الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي للانتقال من مرحلة الضغوط والشروط إلى مرحلة تنفيذ الالتزامات.
خلال الأشهر الماضية تعرضت الفصائل الفلسطينية لضغوط مكثفة تحت عناوين مختلفة، كان أبرزها ملف السلاح ومستقبل إدارة قطاع غزة.
ومع ذلك أبدت الفصائل مرونة سياسية واضحة، وانخرطت في حوارات معمقة تناولت مختلف القضايا المطروحة، بما فيها القضايا التي كانت تُعد سابقًا من الملفات الحساسة والمعقدة. ولم يعد الحديث يدور حول رفض النقاش، بل حول طبيعة المعالجة والمرجعيات التي تحكمها، بحيث تبقى ضمن إطار التوافق الوطني الفلسطيني بعيدًا عن محاولات فرض الإملاءات الخارجية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يسحب الذرائع التي استخدمت طويلًا لتبرير تعطيل الاتفاقات أو تأخير تنفيذها.
فعندما تبدي القوى الفلسطينية استعدادًا لمعالجة الملفات الخلافية ضمن رؤية وطنية مسؤولة، فإن ذلك ينقل المسؤولية إلى الأطراف الأخرى، ويجعل السؤال المطروح اليوم: ماذا ستقدم إسرائيل والولايات المتحدة مقابل هذه المرونة الفلسطينية؟
فالحديث عن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يكون أحادي الجانب. ولا يمكن مطالبة الفلسطينيين باتخاذ خطوات سياسية وتنظيمية في حين يستمر الاحتلال في توسيع المناطق العازلة، ومواصلة الاستهدافات اليومية، وتعطيل إعادة الإعمار، والإبقاء على القيود المفروضة على حركة السكان والبضائع. كما لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي مستقر في غزة دون معالجة جذور الأزمة المتمثلة في الاحتلال والحصار وغياب الأفق السياسي.
وفي هذا السياق تبدو مباحثات القاهرة فرصة حقيقية لاختبار النوايا. فإذا كانت الإدارة الأمريكية حريصة بالفعل على تثبيت التهدئة ومنع عودة المواجهة، فإن المطلوب منها ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال للالتزام بما تم الاتفاق عليه، وليس الاكتفاء بمطالبة الجانب الفلسطيني بتقديم المزيد من التنازلات. أما إذا استمرت سياسة المماطلة وإعادة إنتاج الشروط ذاتها، فإن فرص الوصول إلى استقرار دائم ستتراجع بصورة كبيرة.
لقد فقد الفلسطينيون خلال الشهور الماضية واحدة من أهم أوراق القوة التي امتلكتها المقاومة والمتمثلة بملف الأسرى الإسرائيليين، بعدما تم إنجاز صفقات التبادل ضمن التفاهمات السابقة. ومع ذلك فضّلت المقاومة المضي في مسار يهدف إلى وقف نزيف الدم الفلسطيني وتخفيف معاناة السكان وفتح المجال أمام إعادة الإعمار، وهو ما يعكس إدراكًا لحجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
لذلك فإن مباحثات القاهرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل باعتبارها اختبارًا للولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي أيضًا.
فالفصائل قدمت ما يكفي لإثبات جديتها في البحث عن حلول واقعية، وباتت الكرة اليوم في الملعب الأمريكي والإسرائيلي.
أما نجاح هذه الجهود أو فشلها فسيعتمدان على مدى استعداد الطرفين للانتقال من لغة الضغوط إلى لغة الالتزامات، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.