من قلب أزقة بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، حيث يتعالى ضجيج الحياة هناك، برز الأكاديمي الدكتور حسن عطا الرضيع (38 عامًا)، ليكون واحدًا ممن حملوا رسالة العلم، سلاحًا لا حدود له، ووسيلة يُنير بها طريق الأجيال.
لم يكن الرضيع مجرد اسمٍ عابر في سجل عائلته، ولا في أروقة الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة، بل كان حضورًا ممتدًا بين كل من عرفه سواء كان طالبًا أو معلمًا أو باحثًا، وحتى بين عائلته، فقد صنع من وقته مساحةً للعطاء، حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله.
يوم السبت 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، اشتدت وطأة حرب الإبادة الإسرائيلية، افرتقى الرضيع وهو ساجد يؤدي صلاة العشاء، في إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلا مجاورا للمنزل الذي نزح إليه في مخيم جباليا شمالي القطاع، لينهال عليه الركام ويودي بحياته، كما يروي شقيقه صخر لصحيفة "فلسطين".
لم تكن لحظة رحيله مجرد خبر عابر، بل صدمة هزّت عائلته وكل من عرفه، وكأن السكون الذي عاشه في عبادته الأخيرة حمل معه نهاية مفاجئة لحياة مليئة بالعلم والعطاء.
كان الدكتور حسن متزوجًا وأبًا لثلاث بنات توائم؛ ميرا ومريم وميرال، اللواتي شكّلن عالمه الخاص، ومصدر فرحته الأكبر، والكلام لشقيقه صخر، إذ كان يناديهن دائمًا بالأميرات، ويخطط لمستقبلهن بكل ما يملك من أمل وحب، وكأن الحياة بالنسبة له لم تكن سوى جسرًا يمر به ليؤمّن لهن حياة كريمة ومستقبلاً مشرقًا. اليوم، تُعرف الطفلات بين أفراد العائلة بـ"أميرات الحسن"، كأن الاسم صار امتدادًا لذكراه لم تغب.
تحصيل علمي
على الصعيد الأكاديمي، رسم الدكتور الرضيع مسارًا علميًا لافتًا؛ حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة الأزهر في غزة عام 2012، ثم واصل دراسته لينال الماجستير من الجامعة نفسها عام 2014. لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل رحلته العلمية حتى نال درجة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم في السودان، ليصبح واحدًا من الأصوات الأكاديمية التي حاولت قراءة الواقع الاقتصادي الفلسطيني بعين الباحث وضمير الإنسان.
لم تكن المعرفة عنده مجرد درجات علمية، بل مشروع حياة. فقد أثرى المكتبة العربية بقرابة عشرين كتابًا في مجالات الاقتصاد والنقد الاقتصادي الساخر، وترك بصمة فكرية واضحة في مجاله، جعلت منه اسمًا يُستدعى في النقاشات الأكاديمية والبحثية، وفق صخر.
ويشير إلى أن الدكتور الرضيع عمل محاضرًا غير متفرغ في عدد من الجامعات الفلسطينية، من بينها جامعة الأزهر، وأسهم في تأهيل أجيال من الطلبة، ناقلاً لهم شغفه بالعلم وإيمانه بدور الاقتصاد في فهم الواقع وبنائه.
ويوضح أنه شغل مواقع استشارية في معهد دراسات التنمية بجامعة بيرزيت، وشارك في أنشطة علمية وبحثية ومجتمعية متعددة، كان هدفها الأساسي تعزيز الوعي الاقتصادي وخدمة المجتمع الفلسطيني في ظل ظروف معقدة يعيشها.
حضور اجتماعي
لكن خلف هذا الحضور الأكاديمي والعلمي المميز، كان هناك إنسانًا آخر لا يقل عمقًا؛ ابن بار، وأخ حنون، وصديق وفيّ.
يحكي صخر عن علاقة شقيقه الراحل بوالدته: "ارتبط بها ارتباطًا وثيقًا وكان يحرص دائمًا على برّها ورعايتها وإدخال السرور إلى قلبها، وظل قريبًا منها في مختلف مراحل حياته، يستمد منها الدعاء والقوة والدعم، وقد كان استشهاده فاجعة كبيرة لوالدته التي فقدت ابنًا كان مصدر فخرها وسندها".
أما مع إخوته وأخواته، فكانت تربطه بهم علاقة محبة واحترام وتعاون، وكان حاضرًا في تفاصيل حياتهم، يشاركهم أفراحهم، ويقف إلى جانبهم في أوقات الشدة، وكان بالنسبة لهم أخًا وصديقًا ومستشارًا يلجؤون إليه لما عُرف عنه من حكمة ورجاحة عقل وحسن خلق.
أما في أسرته الصغيرة، فقد كان زوجًا وفيًا وأبًا حنونًا غارقًا في حب بناته. كانت الطفلات الثلاث عالمه الذي يهرب إليه من تعب الحياة، وكان يحلم بمستقبل مشرق لهن، ويعمل بكل جهده من أجل إسعادهن، كان يرافقهن في تفاصيلهن الصغيرة، من اللعب إلى الحديث والضحك، ويزرع فيهن شعور الأمان الدائم. لكن هذا العالم توقف فجأة، حتى كان يطلق عليهن لقب "الأميرات"، وحاليًا الجميع يقول لهن "أميرات الحسن".
بنبرة تمتزج بالحزن، يقول صخر "الفقد لم يكن حدثًا عابرًا، بل جُرحًا ممتدًا في تفاصيل العائلة كلها. بناته الصغيرات، اللواتي لم يتجاوزن الرابعة من العمر، كنّ ينتظرنه كل يوم، يسألن عنه ببراءة، ويعتقدن أنه سيعود ليحملهن بين ذراعيه كما اعتدن. وقد خلق غيابه خلق فراغًا مبكرًا في طفولتهن، لا يمكن تعويضه بسهولة".
أثر الغياب
ويتابع "أما الأسرة بأكملها، فما زالت تعيش أثر هذا الغياب في كل مناسبة، في الأعياد، وفي لحظات الفرح التي كانت تكتمل بوجوده. اليوم، تمر المناسبات كأنها تذكير دائم بما فقدوه، وبأن حضوره كان أكبر من مجرد شخص، بل حالة من الدفء والاستقرار".
ويعدد صخر مناقب الراحل الرضيع، في معاملته مع الأصدقاء والزملاء والطلاب، "عُرف بالتواضع والابتسامة الدائمة وحب الخير للآخرين، فترك أثرًا طيبًا في نفوس كل من عرفه، وبقيت سيرته الحسنة شاهدة على أخلاقه وإنسانيته".
يرى صخر أن استهداف القامات العلمية مثل شقيقه، لا يمكن قراءته كخسارة فردية فقط، بل كضربة للمجتمع كله، لأن العلماء والأكاديميين هم ركيزة بناء الوعي والتنمية. ويؤكد أن رحيله يعني خسارة فكر وتجربة ومسار علمي كان يمكن أن يترك أثرًا أوسع في المجتمع الفلسطيني.
وفي رسالته للعالم، يؤكد صخر أن خلف كل شهيد حياة كاملة لا تختصر في رقم أو خبر عاجل، بل إنسان له عائلة وأحلام وإنجازات. ويطالب بأن يبقى إرثه العلمي والفكري حيًا، وأن يُنظر إلى العلماء كقيمة إنسانية يجب حمايتها، لا خسارتها في صمت.
هكذا بقي الدكتور حسن الرضيع حاضرًا، ليس فقط في ذاكرة عائلته، بل في كل كتاب كتبه، وكل طالب درّسه، وكل فكرة زرعها، وفي ثلاث طفلات يحملن اسمه ويكملن حكاية أب لم يمهله الزمن ليكمل حلمه الأخير.