مع اقتراب الحرب على قطاع غزة من عامها الثالث، تتصاعد التحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة تجاوزت حدود التدهور البيئي التقليدي لتصل إلى ما يُعرف علمياً بـ"الإبادة البيئية"، في وجود الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية وتفاقم مستويات التلوث في التربة والمياه والهواء، بما يهدد حياة السكان ومستقبل الأجيال القادمة.
ويؤكد مسؤولون وخبراء في الشأنين البيئي والزراعي أن القطاع يواجه انهياراً بيئياً شاملاً يستدعي إعلانه "منطقة طوارئ بيئية"، محذرين من أن استمرار الأوضاع الحالية سيُفاقم المخاطر الصحية والاقتصادية والغذائية. ودعوا إلى تحرك عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تبني إستراتيجية متكاملة للتعافي البيئي تسبق مرحلة إعادة الإعمار.
وتشمل الإجراءات المطلوبة صيانة محطات تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي، وتوفير الوقود وغاز الطهي للحد من الحرق العشوائي للنفايات، وإنشاء منظومة مركزية لإدارة وفرز الركام وعزل المواد الخطرة، إلى جانب إقامة مكبات مؤقتة مبطنة لمنع تسرب السموم إلى الخزان الجوفي.
كما شدد المختصون على ضرورة إجراء فحوصات مخبرية للتربة قبل إعادة استصلاحها، ووقف تصريف مياه الصرف الصحي إلى البحر، وإخضاع الأسماك لفحوص دورية، فضلاً عن إطلاق حملات تشجير واسعة لتعويض الغطاء النباتي المفقود، وتشكيل هيئة عليا للتعافي البيئي بالتعاون مع الأمم المتحدة للإشراف على عمليات التطهير البيئي وتوثيق الأضرار.
وتتزامن هذه التحذيرات مع إحياء اليوم العالمي للبيئة، الذي يصادف الخامس من يونيو من كل عام، ويُعد من أبرز المناسبات البيئية العالمية التي أقرتها الأمم المتحدة منذ عام 1972 بهدف تعزيز الوعي البيئي وتشجيع العمل لحماية البيئة.
انهيار منظومة الصرف الصحي
وحذر المهندس مازن البنا، المدير العام للتخطيط في سلطة المياه وجودة البيئة، من الانهيار شبه الكامل الذي أصاب منظومة الصرف الصحي في قطاع غزة، مؤكداً أن الاستهداف المباشر للبنية التحتية المائية والبيئية يهدد بحدوث كوارث صحية ووبائية غير مسبوقة، ويقضي على ما تبقى من مصادر المياه الجوفية الصالحة للاستخدام.
وأوضح البنا لصحيفة "فلسطين" أن الواقع البيئي في القطاع يمر بأخطر مراحله جراء الحرب المستمرة، مشيراً إلى تدمير ست محطات رئيسة لمعالجة مياه الصرف الصحي بشكل كامل، ما أدى إلى توقف عمليات المعالجة بالكامل.
وأضاف أن أكثر من 60 ألف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة تُصرف يومياً إلى البحر والوديان والمناطق المفتوحة، الأمر الذي تسبب بتلوث بحري وبري واسع النطاق.
وأشار إلى أن تدمير شبكات النقل ومحطات الضخ دفع المواطنين والنازحين إلى اللجوء لحلول بدائية للتخلص من المياه العادمة، تمثلت في إنشاء أكثر من 320 ألف حفرة امتصاصية عشوائية، محذراً من أن هذه الحفر تسببت في تسرب الملوثات والعصارة السامة إلى باطن الأرض وتلويث الخزان الجوفي الساحلي، الذي يمثل المصدر الرئيس للمياه في القطاع.
وبحسب معطيات حديثة، خلّفت الحرب نحو 60 مليون طن من الركام، الذي يشكل "قنبلة بيئية موقوتة" بسبب احتوائه على مواد سامة ومخلفات حربية غير منفجرة، إضافة إلى كميات كبيرة من مادة الأسبستوس المسرطنة والغبار الناعم.
كما تفاقمت أزمة النفايات نتيجة منع البلديات من الوصول إلى المكبات الرئيسية، ما اضطرها إلى إنشاء مكبات عشوائية قرب التجمعات السكنية ومراكز الإيواء. وتشير التقديرات إلى تراكم أكثر من 710 آلاف طن من النفايات، الأمر الذي أسهم في انتشار القوارض والحشرات والروائح الكريهة وانبعاث الغازات السامة وتسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية.
تدهور القطاع الزراعي
من جانبها، أكدت نهى الشريف، مسؤولة الدعم والمناصرة في الإغاثة الزراعية، أن الحرب تسببت في تدمير واسع للقطاع الزراعي، حيث أظهرت بيانات الاستشعار عن بعد فقدان نحو 86% من الأراضي الزراعية والغطاء النباتي.
وأوضحت لـ"فلسطين" أن القصف واستخدام المتفجرات خلّفا آلاف الأطنان من المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة، مثل الرصاص والزئبق والتنغستن، ما أدى إلى تغيير التركيب الكيميائي للتربة وانتقال الملوثات إلى السلسلة الغذائية عبر المحاصيل الزراعية.
وأضافت أن مرور الآليات العسكرية الثقيلة تسبب في رصّ التربة وفقدانها خصائصها الطبيعية، إلى جانب تدمير مساحات واسعة من المزارع والدفيئات الزراعية، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي بصورة حادة.
وفي ظل نقص الوقود وغاز الطهي، لجأ المواطنون إلى حرق الأخشاب والإطارات والبلاستيك كبدائل للطاقة، وهي ممارسات أدت إلى زيادة التلوث وتدهور جودة الهواء، وانعكست سلباً على الصحة العامة.
كما حذرت من ظاهرة إنتاج الوقود المحلي عبر حرق الإطارات والبلاستيك، لما ينتج عنها من انبعاثات سامة وكثيفة تشكل خطراً إضافياً على البيئة والإنسان.
تهديد مباشر للبيئة البحرية
بدوره، حذر المهندس وليد ثابت، المدير العام للإدارة العامة للبيئة البحرية، من التداعيات الخطيرة لتصريف كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر بشكل يومي نتيجة توقف محطات المعالجة.
وأكد لـ"فلسطين" أن ذلك أدى إلى تدهور النظم البيئية البحرية على امتداد ساحل غزة، وتلوث المياه بالمعادن الثقيلة والميكروبات، ما انعكس مباشرة على جودة الأسماك وسلامتها، مهدداً صحة المواطنين والأمن الغذائي في القطاع.
وأشار إلى أن استمرار تدفق المياه العادمة إلى البحر دون معالجة يسرّع من انهيار الثروة السمكية ويهدد مصادر رزق آلاف الصيادين، في ظل غياب حلول عاجلة لاحتواء الأزمة البيئية المتفاقمة.

