عندما اشتدت حرارة الشمس، فرَّ سمير عيّاد (60 عامًا) من تحت سقف الخيمة إلى ساحة صغيرة في مخيم إيواء أقيم بجوار مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة.
هناك، جلس ليتبادل أطراف الحديث مع مجموعة من النازحين، بينما تترامى إلى مسامعه شروط الاحتلال لنزع السلاح قبل البدء بإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية.
ما إن سمع هذا الكلام، ضرب كفًا بكف، قبل أن يتساءل بنبرة غاضبة: "أنا وعائلتي ما علاقتنا بالسلاح. ما ذنبنا أن نعيش لسنوات في الخيام. أريد إعادة بناء منزلي، لا نستطيع التحمل أكثر".
يتابع هذا الرجل جيدًا المفاوضات التي انطلقت في القاهرة، مؤخرًا، بمشاركة حركة حماس وفصائل فلسطينية بحضور الوسطاء وممثلين عن مجلس السلام، لكنه كالعادة لا يبدو متفائلاً مع استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتنصله من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويختصر حال عيّاد، مأساة مئات آلاف المواطنين الذين دمر جيش الاحتلال منازلهم إبّان حرب الإبادة، وتركهم في العراء يواجهون حر الصيف وبرد الشتاء.
ولم يكتفِ جيش الاحتلال بقتل قرابة 73 ألف مواطن وإصابة 173 ألفًا آخرين، خلال حربه الدموية التي اندلعت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت سنتيْن، بل لجأ إلى تدمير ومحو أحياء ومحافظات كاملة من الخارطة العمرانية.
ليس ذلك فقط، إذ يُسيطر الاحتلال بقوة النيران على نحو 60 بالمئة من المساحة الإجمالية للقطاع الساحلي، البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، خلف ما يسمى "الخط الأصفر".
قال عيّاد: "والله نفسي أصل بيتي وأشم ريحة ترابه"، في إشارة واضحة منزله المدمر في منطقة التركمان بحي الشجاعية الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية، شرقي مدينة غزة.
أضاف بصوت تخنقه الذكريات لصحيفة "فلسطين": "أشتاق إلى لمة العائلة في بيتنا، وجلساتنا مع أهل الحارة، لكن هذا أمر بعيد المنال، فكل من يقترب من الخط الأصفر يقتل فورًا".
وبعد أن ضاقت السبل بالرجل صاحب الوجه المكسو بلحية طويلة خطَّ فيها الشيب أسمى معاني المعاناة، لجأ بعد نزوح متكرر للعيش في خيمة بالية، كملاذٍ أخير لزوجته وأبنائه الأربعة.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرته، يواصل جيش الاحتلال عمليات نسف وتدمير لما تبقى من معالم سكنية، وإطلاق الرصاص والقذائف بشكل متكرر، ما ينتج عنه إصابات وشهداء.
يدرك عيّاد أن منزله الذي كان مكونًا من 5 طوابق، قد دمره الاحتلال بالكامل، لكنه متمسك بالعودة إليه، وتثبيت خيمته على أنقاضه. عن ذلك يقول: "روحي معلقة بالشجاعية وأجوائها وأهلها".
ومع خرق الاحتلال المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر 2025، ومنعه إدخال مستلزمات الإيواء والإعمار، تتضاعف معاناة النازحين مع حلول فصل الصيف، إذ تتحول الخيام المصنوعة من القماش الخفيف أو النايلون، إلى أفران حامية تقض مضاجع المقيمين فيها.
ولا تقتصر المعاناة على ارتفاع الحرارة داخل الخيام، بالنسبة للنازح مازن حمادين، الذي دمر جيش الاحتلال منزله في بلدة بيت حانون، شمالي قطاع غزة.
ولاذ حمادين (55 عامًا)، بزوجته واثنين من أبنائه، إلى خيمة صغيرة، تجتاحها القوارض والجرذان والحشرات، وتهبّ عليها روائح كريهة تنبعث من مكب نفايات اليرموك.
وقال لـ"فلسطين": "أعيش وزوجتي واثنين من أبنائي حياة مريرة لم أتخيلها يومًا ما. الحياة في زريبة غنم في بيت حانون أفضل من البقاء هنا. أريد العودة إلى منطقة سكني، لكن للأسف نستطيع الوصول إليها".
فبلدة بيت حانون، التي تتمتع بموقع حدودي مجاور للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ نكبة 1948، وتضم أراضٍ زراعية واسعة، تطغى عليها الحياة الريفية الهادئة، وتنتشر فيها المساحات الخضراء والأشجار.
إلا أن معالمها تغيرت تمامًا بعدما شنَّ جيش الاحتلال حربه المدمرة، وابتلعها "الخط الأصفر"، حيث يواصل جيش الاحتلال خلفه عمليات النسف والتجريف.
يضيف: "منذ عام ونصف لم أصل منطقة سكني، لا أعرف الآن كيف صار شكلها، لكن أنا وأهل بيت حانون لن نتخلى عن قرار العودة إليها وإعادة بناءها.. لن نتخلى مطلقًا".
وفي وقت صار فيه إعادة إعمار غزة ضرورة ملحة، يوسع الاحتلال سيطرته على مساحات إضافية، ويحول دون السماح بإغاثة المنكوبين، ليجد النازحين أنفسهم أمام واقع مرير، تختلط فيه معاناتهم المتفاقمة بالتنصل الإسرائيلي من استحقاقات اتفاق وقف النار.